تخطى إلى المحتوى

ففي كل من البرازيل وتشيلي كان الانقلاب العسكري هو السبب الرئيسي في تلك الأزمات، وسعي العسكر للسيطرة على الاقتصاد، وموافقة داعميهم على أساليب أصلاح الاقتصاد، واتباع الروشتة الموصوفة من قبل صندوق النقد أو الداعم الأجنبي، كان لها تأثير واحد على المجتمع من فقر وتدهور أحوال المعيشة وتضخم وبطالة وغيرها.

شهدت دولتا البرازيل وتشيلي أزمات اقتصادية ضخمة خلال القرن الماضي، وانعكست على

مستقبلهم حتى الآن، وهي أزمات ترتبط بالوضع المصري الحالي؛ نتيجة لتشابه الوضع السياسي والمناخ الاقتصادي.

وفي الوقت الذي استطاعت البرازيل وتشيلي الخروج من تلك الكبوة، والتخلص من الحكم العسكري، تسير مصر خطوات سريعة في اتجاه تكرار تجربة فشل العسكر وتضييعهم للاقتصاد والدولة.

تجربة عسكر البرازيل.. فقر وجوع واستعباد

شهدت البرازيل عدة انقلابات عسكرية في تاريخها إلا أن أسوأ تلك التجارب هو انقلاب ١٩٦٤ المدعوم من أمريكا على الرئيس اليساري “جواو جولار”.

وكما يحدث الآن في مصر وعقب الانقلاب مباشرة دخل البنك الدولي للبرازيل ووضع شروط تحرير الاقتصاد من أجل فتح باب القروض في البرازيل، والذي تم فتحه بالفعل على مصراعيه، وأصبح الاقتصاد يُدار وفقًا لمصالح الحكم العسكري، وعلاقات جنرالاته بالشركات متعددة الجنسيات.

أقرّت سلطات الانقلاب بالبرازيل سياسات التقشف أو ما يُطلَق عليه “الإصلاح الاقتصادي” وبالطبع من ضمنها خصخصة القطاع العام بدعوى أنه مفلس وعبء على الدولة وأن بيعه يعني تطويره، وجرى كل ذلك تحت سيطرتهم على السوق والتحالفات الاقتصادية.

وعلى الرغم من أن جنرالات البرازيل وداعميهم من الخارج، تحدّثوا عن نمو هائل في الاقتصاد إلا ان تقارير عالمية كشفت زيف هذا النمو، وكونه فقط قسَّم البرازيل لطبقتين: أقلية ثرية، وأكثرية فقيرة.

حيث شهدت البرازيل تراجع مستويات معيشة العمال والفقراء بشدة بين عامي ١٩٦٠ و١٩٧٦، ففي حين ارتفع نصيب الـ 5% الأغنى من السكان من الدخل القومي من 27،7% إلى 39% انخفض نصيب 50% الأفقر من 17،7 % إلى 11،6% خلال نفس الفترة.

وكشف مسح رسمي أُجري عام 1976 انضمام 2،5 مليون طفل تتراوح أعمارهم بين العاشرة والرابعة عشر لقوة العمال، وأن 68% كانوا يعملون لأكثر من 40 ساعة أسبوعيًا.

وكشفت تقارير لمنظمة الأمم المتحدة للغذاء والزراعة بداية التسعينيات أن أكثر من ٤٠٪ من السكان أي ٥٢ مليون برازيلي يعانون الجوع، وقدّرت وزارة الصحة البرازيلية أن مئات الألوف من الأطفال يموتون جوعًا كل عام، في حين أعلن تقرير لجنة مراقبة أمريكا عام ١٩٩٢ أن البرازيل تعجز عن تأمين عيش مقبول لسكانها البالغين ١٨٢ مليوناً.

شهدت البرازيل كارثة أخرى ناتجة عن عسكرة الدولة، وهي التشغيل العبودي للعمال المتعاقدين، حيث يتم معاملة العمال بوحشية أو يقتلون ببساطة إذا هربوا قبل تسديد ديونهم، ففي ١٩٩٢ قال تقرير الكنيسة الكاثوليلكية: إنه وجد ٤ آلاف عامل يعملون ١٦ ساعة يومياً يستخرجون الفحم النباتي بمشروع تابع للحكومة العسكرية، يتم تعذيبهم وضربهم وحتى قتلهم.

أصبحت البرازيل نتيجة العسكرة مركز عالمي لعبودية الأطفال حيث يعمل (7) سبعة ملايين طفل كعبيد أو مومسات، ويُستغلون ويُدفعون للعمل بما يفوق طاقتهم، ويُحرمون من التعليم والصحة حسب منظمة العمل الدولية.

أما عن النمو الاقتصادي المُعلَن من قبل الحكومة العسكرية فكشفت تقارير اقتصادية عام ١٩٨٩ أن النمو الاقتصادي والمعجزة البرازيلية محض خدعة، حيث تفاقم الانهيار وانخفض النمو الاقتصادي 5% إلى 3%، وارتفع التضخم بشكل كبير جداً خلال فترة الحكم العسكري وصل لقمته عام 1990 بنحو 2948%.

تجربة تشيلي

سلفادور أليندي- الرئيس التشيلي الاسبق

تعتبر تجربة تشيلي تكراراً لتجارب الانقلابات العسكرية، فهي بدأت بالانقلاب على رئيس مدني يدعم الحريات، ويرفض الهيمنة الغربية، وهو هنا الرئيس “سلفادور أليندي”، ممثل قوى اليسار في تشيلي، الذي تم الانقلاب عليه واغتياله عام ١٩٧٣ على يد قائد الجيش “أوغستو بينوشيه” بدعم أمريكي.

وأشار كتاب “الصدمة” للباحثة الاقتصادية “ناعومي كلاين” إلى أن الانقلاب في تشيلي كان مدعومًا أيضًا من الشركات المتعددة الجنسيات، والتي وضعت خطة ممنهجة للسيطرة على الاقتصاد يقوم بتنفيذها الجيش حال سيطرته على الحكم.

عقب سيطرة “بينوشيه” على الحكم قام بتنفيذ عدد من القرارات الاقتصادية، والمرتبطة أيضًا بقرض أمريكي، أبرزها خفض الإنتاج الحكومي ١٠٪ مقابل ارتفاع الإنفاق على الجيش انفاقًا كبيرًا؛ تقديرًا لجهده في محاربة الإرهاب، بالإضافة لإجراءات تحرير الاقتصاد المعروفة من خصخصة وضرائب ورفع الأسعار.

أدَّت سياسات “بينوشيه” لتدهور الاقتصاد، فعقب وصوله للحكم بعام واحد فقط، وصلت نسبة التضخم لـ ٥٠٥٪، وانخفض الاحتياطي النقدي للبلاد بنحو ١٣٪، ووصلت قيمة الاحتياطي النقدي من العام ١٩٧٣ إلى ١٩٩٠ نحو ١.٤ مليار دولار، كما زاد حجم الديون الخارجية في الفترة ما بين عام ١٩٧٣ إلى عام ١٩٨٥ لـ ١٨ مليار دولار، وارتفعت نسبة البطالة خلال أعوام قليلة من ١٨٢ ألفاً ووصلت لـ ٢٨٩ ألفاً من إجمالي عدد السكان البالغ وقتها ١١ مليون نسمة.

عسكر مصر على نفس الدرب  

عقب الانقلاب العسكري في مصر عام ٢٠١٣، تكرّرت الرواية، نظام عسكري يسعى للسيطرة، قرض صندوق النقد، دعم خليجي وأمريكي، برنامج إصلاح اقتصادي يعتمد على توجه رأسمالي، ويدعم ما يسميه النظام العسكري “تحرير الاقتصاد”، ويرتبط بالطبع بإجراءات تقشف، وخصخصة الشركات وفرض الضرائب، وتوسع الاقتراض.

وتشير إحصائيات مختلفة في مصر لاتفاق النتائج بشكل كبير مع الأنظمة السابقة، حيث كشف تقرير للبنك المركزي مايو الماضي ارتفاع الدين المحلي بنسبة ٢٠.٣٥٪ على أساس سنوي بما يعادل ٤.١٠٨ تريليون جنيه، بينما وصل الدين الخارجي إلى ٩٦.٦١٢ مليار دولار في نهاية ديسمبر الماضي، مما يعني أن اجمالي الدين العام المحلي والخارجي يصل لـ ١١٣.٣٪ من الناتج المحلي.

كما ارتفعت نسبة الفقر في مصر وفقًا لتقرير صادر عن المركزي للإحصاء يوليو الماضي إلى 32.5٪ من عدد السكان، فيما حدّد البنك الدولي في تقرير له ابريل الماضي أن ٦٠٪ من المصريين إما فقراء أو عرضة للفقر، وشهدت معدلات التضخم ارتفاعًا كبيرًا الأعوام الماضية التالية للانقلاب حيث بلغ التضخم في مارس ٢٠١٧ أعلى مستوياته على تاريخ مصر منذ ٢٠١٧ حيث وصل لـ٣١.٧٪ وفقًا لجهاز التعبئة والإحصاء، فيما تشير تقارير حدوث بعض التحسن في نسبته خلال عام ٢٠١٩

التقرير منشور على موقع الثورة اليوم