تخطى إلى المحتوى

“١”

هل استطاع محمد علي زعزعة حكم السيسي

اتجاهات التغيير متواجدة منذ عام 1952 وظهرت داخل العسكر بعد 2013

أهداف التغيير داخل الجيش العودة لقواعد “مبارك”

هناك غضب داخل قطاع كبير من الجيش

تغيير عقيدة الجيش أحد أبرز أسباب الغضب

نجاح “محمد علي” في اغتيال نظام “السيسي” أوجد له دعماً عسكرياً

هناك تفاوض الآن مع “السيسي” للعودة للقواعد القديمة

الصراع أكبر من صراع “المخابرات العامة” و”السيسي”

الصراع الحالي لا يهدف للإطاحة بـ “السيسي” من الأساس

يمكن أن تُطوَّر الأهداف حال رفضه التفاوض نحو الإطاحة به

حوار – هدى التوابتي :

تتزايد الأسئلة في مصر حول “جمهورية العسكر”، وكيف وصلت لهذا الحد من التوغل في الدولة للدرجة التي يكاد ينعدم فيها الوطن بالمدنيين؟ وما الذي يجري في كواليس العسكر الآن؟ وهل هناك انقلاب وتغيير داخل المؤسسة العسكرية على نظام “عبد الفتاح السيسي”؟.

حاول الباحث بالعلاقات المدنية العسكرية، “محمود جمال“، في الجزء الأول من حواره مع “الثورة اليوم” نقل صورة للمؤسسة العسكرية، وعلاقة أطرافها بفيديوهات “محمد علي” ودعوته للثورة، وهل كلها على قلب واحد خلف “السيسي”؟ وما مصير الضباط المحبوسين؟.

وصف أحد الباحثين الجيش في مصر بأنه “جمهورية الضباط”، فكيف تصف تلك الجمهورية؟ وما مراحل سيطرتها على الحياة في مصر؟.

بدايةً؛ لتوصيف سيطرة المؤسسة العسكرية على مصر يجب محاكاة التاريخ منذ عام ١٩٥٢، ففي عام ١٩٥٢ حدثت حركة “الضباط الأحرار”، والتي تمثَّلت في مجموعة من داخل الجيش المصري، أعلى رتبه بهم كان اللواء “محمد نجيب”، تحرَّكت هذه المجموعة في الـ ٢٣ من يوليو 1952 عقب فترة إعداد من ٣ لـ ٤ سنوات، وقاموا باستغلال الضجر الشعبي في تلك الفترة واستطاعوا السيطرة على حكم الدولة في ٢٣ يوليو 1952.

كان مقتضى تلك الحركة السيطرة على الحكم، ولكن داخل مجلس إدارة الثورة نفسها اختلفت الاستراتيجيات، وانقسمت لاستراتيجيتين، الأولى استراتيجية اللواء “محمد نجيب” والذي حمل فهم وفلسفة محددة لحركة 52.

أما الثانية فهي المجموعة التي يقودها البكباشي “جمال عبد الناصر”، وتحمل هي الأخرى فلسفة وفهم مختلف للحراك

حيث نظر “محمد نجيب” ومن معه إلى ما حدث على أنه تحقيق لإرادة الشعب المصري، وتحقيق لفهم ينص على أن الحكم يتولاه الشعب بمجموعة تُمثّله من المدنيين، وأن الجيش له أدوار محدودة أهمها الدفاع وحماية الأمن القومي المصري.

أما نظرة ورؤية “جمال عبد الناصر” ومعه “عبد الحكيم عامر”، وكان كلاهما فرسَي الرهان في المجموعة الثانية، فاختلف تمام الاختلاف عن رؤية المجموعة الأولى فهم يحملون استراتيجية تهدف إلى سيطرة الحكم العسكري على جميع نواحي الدولة المصرية.

استطاع “عبد الناصر” ومجموعته السيطرة على زمام الأمور بالكامل عام ١٩٥٤، وبدأوا بترسيخ قواعد الحكم العسكري، وتم التنكيل بكل مَن ينتهج نهج “محمد نجيب”، بداية من “محمد نجيب” نفسه، وذكر “خالد محي الدين” في كتابه “الآن أتكلم” أمور كثيرة عن هذا.

يُعتبر عام ١٩٥٤ عام تأسيس الدولة العسكرية في مصر، حيث أصبحت الملفات العسكرية والأمنية والاقتصادية والسياسية في مصر تدار من قِبل العسكر، وازدادت السيطرة بتعاقب الحكام، “جمال عبد الناصر”، و”السادات”، ثم “مبارك” أي منذ عام ١٩٥٤ وحتى ٢٠١١ كانت الدولة عسكرية بامتياز.

مرحلة ما بعد انقلاب ٢٠١٣ على دكتور “محمد مرسي” تُعدّ مرحلة ازدياد لتوغّل الدولة العسكرية، وهي تحمل استراتيجية جامعة لتلك الفترات السابقة، فسابقًا كان الجيش يسيطر، ويصبح لاعباً كبيراً في كل الملفات، ولكن كان يحمل فلسفة إعطاء جزء للمدنيين والأجهزة الأمنية الأخرى، بمعنى “السادات” و”مبارك” و”عبد الناصر” قاموا بإعطاء هامش لرجال الأعمال المدنيين، وفعلًا كانوا بيتركوا لهم بعض المكاسب.

أي أن النظام العسكري سابقًا اتبع فلسفة السيطرة مع وجود هامش، ومساحة للأجهزة المدنية الأخرى، أما “السيسي” فجاء بفلسفة واستراتيجية جديدة، فعلى الرغم من أن رجال الأعمال كانوا مع انقلاب ٣ يوليو ٢٠١٣؛ ظنًا أن الحكم العسكري سيوفر لهم نفس امتيازات “مبارك”، وراهنوا على نظام “عبد الفتاح السيسي” إلا أنهم صدموا باستراتيجية “السيسي” الجديدة، والتي تتلخّص في أن الجيش يقوم بتحويل وضعه من كونه لاعباً كبيراً لفاعل مُهيمن ومُسيطر على كافة النواحي الاقتصادية والأمنية والسياسية، ولذلك نجد رجال أعمال كـ “ساويرس” و”محمد علي” وغيرهم، دخلوا في صدام مع الدولة؛ لأنهم كانوا يعتقدون أنهم سيحصلون على مكتسبات كالسابق، وهو ما لم يحدث نتيجة لاختلاف استراتيجية “السيسي”.

شهد الجيش المصري أُطراً فكرية متنوّعة بداخله خلال العقود الماضية، تهدف للتغيير، فهل تكررت تلك الأطر المختلفة منذ يناير ٢٠١١ أم أنه يحكمه إطار فكري واحد؟ وكيف انعكست تلك الأُطر على تحركاته؟.

شهد عام ٢٠١١ انضمام ضباط لميدان التحرير، مثل “محمد شومان”، وضباط “الثامن من أبريل”، وهم قيادات وسطى بالجيش تريد التغيير، وثورة يناير جاءت تعبيرًا عن هذا التغيير بمشاركة الثوار، في هذه الفترة لم تكن هناك محاولات جادة للتغيير إلا في مستوى القيادات الوسيطة.

بعدها حدثت بعض المطالب الفئوية في عام ٢٠١١ أيضًا، وقام المشير “حسين طنطاوي” بالتدخل وحلّها، ولم تكن حركة تغيير ولكنها كانت لمطالب فئوية، حتى مشاركة الجيش في يناير ٢٠١١ لم تكن من باب التغيير، وإنما خوفًا من التوريث.
أما الفترة الأهم فهي ٢٠١٣ لـ ٢٠١٤، والتي شهدت حالات عدة، واختلفت بين ٣ مستويات، الأول منها الدستوري والقانوني، والثاني الانقلاب على الانقلاب، أما الثالث فهو انضمام الضباط للحركات المسلحة.

المستوى الأول عبَّر عنه “سامي عنان” حينما قام بالترشح للرئاسة في ٢٠١٤، ثم ترشَّح مرة أخرى عام ٢٠١٨، في ٢٠١٤ قُوبل ترشحه بالرفض من قِبل المجلس العسكري، أما ٢٠١٨ فقد حاول مرة أخرى ولكن تم التنكيل به والزَّجّ به في السجن الحربي؛ بدعوى أنه تجاوز القوانين العسكرية كونه عضو مجلس عسكري على قائمة الاستدعاء، ما يُحتّم عليه أن يأخذ إذن المجلس العسكري المُكوّن من الأعضاء المستدعون والحاليون.

وعلى الرغم من أنه تم التنكيل بـ “عنان” لأنه لم يأخذ إذن المجلس إلا أنه حاول الحصول بالفعل على الإذن، وأرسل للمجلس العسكري طلب أخذ قرار ترشحه، حيث أرسل خطابين قبل الإعلان عن ترشحه، ولكن المجلس لم يرد عليه.

من ضمن نموذج التغيير الدستوري القانوني “أحمد شفيق”، المقيم بالإمارات، وأعلن منها نيّته للترشح للانتخابات، وقامت الإمارات بترحيله لمصر، والضغط عليه حتى يتراجع عن قراره، وتراجع بالفعل وأعلن انسحابه على صفحته الشخصية بـ “تويتر”.

يدخل العقيد “أحمد قنصوه” ضمن هذا النموذج أيضاً، حيث أعلن على حسابه ترشحه للرئاسة في ٢٠١٨، وأشار إلى أنه كان يسير في الإجراءات منذ ٢٠١٤، إلا أن إجراءات ترشحه قُوبلت بالتعنت.

: والسؤال عن هدف هؤلاء من التغيير يمكن الإجابة عليه كالتالي:

“شفيق” و”عنان” يهدفان لإعادة قواعد اللعبة والحكم لِما كانت عليه قبل الانقلاب العسكري، أي إلى ما قبل الانقلاب، وتحديدًا فترة “مبارك” و”ناصر” و”السادات“، وهو استراتيجية حكم المؤسسة العسكرية وليس الفرد العسكري، ولكن استراتيجية “السيسي” هي أن الفرد هو الحاكم مثل “بينوشيه” في تشيلي، و”سوهارتو” في إندونيسيا.

“السيسي” انتهج بعض الممارسات التي تسبَّبت في ضجر بعض الضباط وغضبهم، مثل قيامه بالتنازل عن “تيران” و”صنافير”، فعقب قرار التنازل قام “عنان” و”شفيق” والعقيد “أحمد قنصوة” والفريق “مجدي حتاتة” رئيس الأركان السابق لـ “عنان” في عهد “مبارك”، بالتحدث عن التنازل واتفقوا أنه خاطئ، وأن الجزيرتين مصريتان، وهناك قطاع كبير داخل الجيش غير راضٍ تمامًا عن التنازل، ويريدون إعادة المنظومة القديمة، وتغيير النهج الذي ينتهجه “السيسي” في التفريط بالأرض.

كما تواجه استراتيجية “السيسي” الخاطئة في سيناء سخطاً كبيراً داخل الجيش، خاصة أنه يموت بسببها بشكل يومي الضباط في سيناء، وهي تعتمد فقط على العمليات العسكرية من ٢٠١١ لـ ٢٠١٩ كان هناك سبع عمليات بسيناء، وآخرهم العملية الشاملة التي بدأت في ديسمبر ٢٠١٧ وأعطى “السيسي” مهلة ٣ شهور لتطهير سيناء من الإرهاب عقب الإعلان عنها، وحتى الآن لم تنجح.

وسبب الضجر لدى الجنود حول سياسة “السيسي” في سيناء أن سيناء بها تمرد، وعمليا مكافحة التمرد مختلفة تمامًا عن مكافحة الإرهاب، و”السيسي” يتبع سياسة مكافحة الإرهاب وليس التمرد، وهذا ما عبّر عنه “محمود حجازي” رئيس الأركان الأسبق في مؤتمر رؤساء هيئات الأركان في الولايات المتحدة أكتوبر ٢٠١٧، والذي أظهر فيه خطأ استراتيجية الجيش المصري في مكافحة الإرهاب، والتي تعمل على ازدياد المنتمين لتلك الجماعات، وهو ما سيعود بالضرر على الدولة المصرية

عقب عودة رئيس الأركان من أمريكا تمّت إقالته مباشرة من هيئة الأركان، والمجيء بـ“محمد فريد حجازي” ليحلّ محلّه

تغيير عقيدة الجيش

من ضمن أسباب رفض أو ضجر قيادات بالجيش من “السيسي”، قيامه بتغيير عقيدة الجيش وتغيير الصورة الذهنية لأفراده، حيث ولأول مرة في تاريخ الجيش المصري تم توجيه سلاح الجيش للمدنيين، وهو ما تم عقب الانقلاب، ولم يحدث أن أطلق الجيش على المصريين من أبناء شعبه النار، ولعل هذا عامل مهم يوضح سبب حب المصريين للجيش، فالصورة الذهنية للشرطة على سبيل المثال دائماً سيئة بينما صورة الجيش مختلفة ونموذج للبطولة.

“السيسي” وجهاز المخابرات الحربية قاموا بتعبئة معنوية وشحن للضباط منذ اللحظة الأولى؛ لتشويه الإسلاميين، فكان يتم الترويج بأن الاعتصامات مسلحة، أحد الضباط الذين شاركوا في الفض أشار إلى أنه قبل الفض بيوم وردت تقارير من المخابرات الحربية إلى القوات المتجهة لفض اعتصام ميدان “النهضة” بمحافظة الجيزة، تؤكد أن حديقة “الأورمان” بأكملها مُفخّخة، فتمّ تهيئة الجيش من قِبل المخابرات الحربية لتضليل الضباط، وتهيئتهم أنهم متجهون للحرب، خلال تلك الفترة كان “محمود حجازي” صهر “السيسي” هو المسؤول عن المخابرات الحربية.

تغيير عقيدة الجيش ليس في توجيه السلاح تجاه للمصريين فحسب، ولكن عند الحديث عن تغيير عقيدة الجيش يجب معرفة أن العقيدة لها ٣ مستويات، العقيدة الأساسية، ويعرف بها العدو، العقيدة البيئية، أي بناء على تعريفي للعدو أقوم بتوزيع القوات “في النطاق الجغرافي والبيئي” كجيوش ومناطق عسكرية، والعقيدة التنظيمية، أي أقوم بتسليح قواتي ونشرها بناء على تعريفي العدو.

على مدار التاريخ الجيش المصري لم يعرف غير العدو “الإسرائيلي” بأنه العدو المباشر للدولة المصرية، وبناء على ذلك كان تكتل الجيش المصري في منطقة الشرق، الجيش الثاني والثالث مقرهم في الشرق؛ نتيجة وجود التهديد هناك.

حالياً يتم تنسيق بين مصر و”إسرائيل” بعمليات في سيناء، هناك تدريبات عسكرية تتم بين ضباط في الجيش المصري والجيش “الإسرائيلي”، التدريبات في المفهوم العسكري تتم بين الدول الصديقة فقط لأن خلالها تُكشف الخطط العسكرية والمواقع العسكرية.

أصبح “الإرهاب” الإسلام السياسي هو عدو نظام “السيسي” وليس “إسرائيل”، أصبح الانتشار العسكري في العاصمة المصرية الكبرى والمنطقة الغربية كون ليبيا وفقًا للعقيدة الجديدة هي “مَفرخة” الإرهابيين، والجيش المصري عليه أن يسدّ تلك الثغرة بدلًا من الشرق.

يُبرّر قيادات الجيش التعاون مع “إسرائيل” بأنه للحفاظ على الأمن القومي، وبأن “إسرائيل” درست جيدًا المنطقة “ب” والمنطقة “ج” المحرمة على الجيش المصري؛ لذلك يتم الاستعانة به.

بعض الضباط وهم كمية ليست قليلة غير مرحب بتغيير عقيدة الجيش المصري التي استبدلت “إسرائيل” بـ “الإسلام السياسي”، وبناء على ذلك يتم التنسيق مع “إسرائيل” لمقاومة الإرهاب في سيناء، وهي أهم العوامل التي تؤدّي للضَّجر.

جرت محاولة انقلاب على “السيسي” عام ٢٠١٤، تُمثّل أُطر التغيير داخل الجيش، تم الكشف عنها ومحاكمة ٢٦ ضابطاً من أسلحة مختلفة داخل الجيش بتهمة محاولة الانقلاب، أعلى رتبة في هؤلاء هي رتبة عميد، وتم محاكمتهم عام ٢٠١٥.

هناك بعض الضباط سلكوا طريق التوجه للحركات المسلحة مثل “هشام عشماوي” ضابط الصاعقة المعروف والكفء الذي قضى ١٣ عامًا في معسكرات القوات الخاصة المصرية، صديق “أحمد منسي” الذي قُتل في سيناء بأحد العمليات وعشرات غيره، وتحوّل فكره تمامًا لانتهاج العمل المسلح، بالإضافة لـ “عماد عبد الحميد” و”وليد بدر” والعشرات غيرهم.

جاءت فيديوهات “محمد علي” مع عدد من الشواهد في الصورة لتفتح باب الحديث عن وجود صراع داخلي في الجيش، فما رأيك حول حقيقة وجود مثل هذا الصراع، وأبعاده؟.

“محمد علي” يُعتبر من دولاب عمل المؤسسة العسكرية، وكان ضمن المنظومة التي تعتمد عليها المؤسسة في أعمالها، وعلى الرغم من إقامته منذ عام في إسبانيا قرَّر فجأة التحدث من هناك، وهو يُذكّرنا بفلسفة “مبارك” الذي كان يعطي جزءاً للمدنيين، وهو كان يخدم مع “مبارك” منذ ٢٠٠٤ وحتى ٢٠١٠ في استراتيجية تعتمد على أن الجيش يكسب، والأجهزة المدنية لها جزء والمدنيين لهم مكسب.

أغلبية رجال الأعمال كانوا ضد ثورة يناير للحفاظ على مكتسباتهم، وخوفًا من حكم مدني به رقابة “الفساد اللي كانت بتدار به المنظمة العسكرية مش هيكون موجود فمكاسبهم هتتراجع”، وبالتالي أهم سبب لتأييد هؤلاء للانقلاب اعتقادهم أن “السيسي” سيتبع نفس سياسات “مبارك”، ولكن الرهان كان خاطئاً، وهم أدركوا ذلك، وأن هناك استراتيجية يحاول “السيسي” التأصيل لها

تتمثَّل في السيطرة الكاملة، وهو ما دفع “محمد علي” للخروج من المنظومة، هذا بالنسبة لـ “محمد علي”، بالنسبة للمؤسسة العسكرية، هي شهدت بالفعل منذ ٢٠١٣ محاولات تغيير، وهو واقع معلوم بالضرورة، وكلها محاولات فشلت، نعم المؤسسة العسكرية بها من يحاول التغيير، و”محمد علي” كان قريباً من تلك المنظومة الخاصة بـ “السيسي” تحديدًا، وخدم مع أهم جهاز تابع للمؤسسة العسكرية حاليًا، وهو الهيئة الهندسية، وخدم مع “طاهر عبد الله”، و”ماجد جورج”، و”كامل الوزير”، و”أحمد بدوي”، فهو على معلومات دقيقة جداً بالهيئة وطرق عملها والفساد الذي تمارسه المؤسسة الاقتصادية التابعة للجيش.

قام “محمد” بأمر هام جدًا من أول فيديو له، والمتابع لمضامين كلامه ينتبه له، هو في البداية خرج ليقول: “أنا عايز فلوسي يا راجل يا حرامي، أنا عايز فلوسي”، وبدأ يتحدث عن القصور والفلل والفساد الذي تم، خروجه كان بيتكلم من باب حد عايز حقه، واستطاع تحقيق انتشار كبير جداً.

ولكن أهم ما قام به “محمد علي” يساعد أي مجموعة عايزة التغيير، أنه قام باغتيال شخصية النظام، اغتيال شخصية “عبد الفتاح السيسي”، استطاع تحقيره وإهانته، وتصغيره.

وبشكل عام فإن تحقير الشخصية أمر مهم جدًا لأي مجموعة تريد التغيير، أي مجموعة تبحث عن التغيير تبحث عن المؤثر، و”محمد علي” استطاع أن يصبح “أيقونة” التأثير، فهو غير معارض، كارت جديد مش محروق، ترَكَ أثر، وهو على معلومات دقيقة، ربما بعد الفيديو الأول تم تنسيق ما بين “محمد” وبين مجموعة تريد التغيير داخل المؤسسة العسكرية بشكل ما.

مؤشرات التنسيق ظهرت واضحة في مضامين الكلام التي تغيّرت مع فيديوهات “محمد علي”، حيث أصبح يحاول تثوير الشعب، هناك قاعدة أساسية أن “الجيش لا يتحرك إلا إذا تحرك الشعب”، عام ١٩٥٢ تحرَّك الشعب ثم “الضباط الأحرار”، عام ٢٠١١ تحرك الشعب أولًا ثم نزل الجيش، في ٢٠١٣ قام الجيش بعمل حراك مصنوع، شارك فيه بعض فئات الشعب، ولكن الأصل أنه حراك مصنوع يهدف للإطاحة بأول تجربة ديمقراطية في مصر.

ما يقوم به “محمد علي”، هو من مؤشرات التنسيق، فهو يقوم بتثوير الشارع، ما يقوم به “محمد” الآن وطلبه من الناس النزول والتصوير، من باب التثوير.

اعتقادي أن “محمد” كان طالع بشكل فردي، لديه ثأر يريد أمواله، ولكن تلاقت المصالح، وأصبح هناك تنسيق بين “علي” وبين مجموعة داخل الجيش، الصراع الحالي هو داخل أروقة المؤسسة العسكرية، والمؤشرات تدل على أمرين مهمين لأي مجموعة تريد التغيير، وهذا ما يقوم به “محمد علي” وهم:

الأول: إهانة رأس النظام 

ثانيًا: تثوير الشعب.

في رأيك؛ هل الصراع الحالي استكمال للصراع بين “السيسي” والمخابرات العامة؟ وما الأهداف التي تسعى تلك المجموعة لتحقيقها؟.

ربما يكون رحيل النظام هدفاً من الأهداف، ولكن الأكيد أنه ليس الأول ولا الثاني، ولا حتى الثالث، بل أهم أهداف هذا الحراك العودة للقواعد التي كانت تحكم المؤسسة العسكرية، وأن المؤسسة بالشكل المطلق هي الحاكمة وليس الفرد، والإفراج عن الضباط الذين تم التنكيل بهم؛ كونهم كانوا يريدون التغيير، وهو ما أكده مطالبات “محمد” في الفيديو الصادر يوم الثلاثاء الماضي، حيث أكد على ثلاث مطالب، أبرزها خروج المعتقلين السياسيين والضباط المعتقلين، المتواجدين في السجون الحربية.

المطلب الأهم الآن هو إعادة قواعد اللعبة مرة أخرى، وربما هذا ما يُفسّر ما نقله البعض أن من ضمن ما يُطلَب الآن من “السيسي” في الغرف المغلقة أن يتم تعيين نائب من داخل المؤسسة من القيادات التي تم التنكيل بها.

تصريحات “علي” لا يجب اعتبار أن المقصود بها “عنان” أو شخص بعينه، بل الموضوع أعلى من “عنان” مع وجوده في المشهد بشكل ما، يمكن القول إن الصراع يتكوّن من قيادات الصف القديم، والقيادات التي تم التنكيل بها منذ 2011 حتى ٢٠١٩، يعني عدد أعضاء المجلس العسكري الذين تم إخراجهم منه منذ 2011 وحتى الآن ٨٢ قائداً بينهم “عنان”، أي أنهم لديهم امتياز عضوية المجلس العسكري، ما يعني أن المطلوب أن يكون نائب “السيسي” واحداً منهم؛ كي لا يكون الحكم حكم الفرد العسكري، وتعود المؤسسة هي الحاكم.

بمعنى أن أول هدف الآن لما يحدث هو العودة لشكل ما قبل ٢٠١٣، إذا لم يستجب “السيسي” واستمر في “جنون عظمته” – كون أن الرهان على “السيسي” وليس الجيش – أظن أن الحراك سيتصاعد، وسيكون من أهدافه الضغط حتى رحيل رأس هذا النظام.

اللعبة كبيرة، وأعتقد أن من يظن أن الصراع الدائر حاليًا هو “المخابرات العامة” وبين “السيسي” أعتقد أنه رأي يفقد الكثير من المعلومات، نعم “المخابرات العامة” جزء كبير منها غير مُرحّب باستراتيجية “السيسي”، نظام “السيسي” أول ما تمكَّن من الحكم أقال “رأفت شحاتة”، وعيّن مكانه اللواء “محمد فريد التهامي”، ثم أقال “التهامي” وأتى بـ “خالد فوزي” محلّه، ثم أقال “فوزي”، وأخيرًا ليستقر الأمر بتعيين مدير مكتب “السيسي” “عباس كامل” محله.

نعم “المخابرات العامة” لها ثأر مع “السيسي”، و”السيسي” فهم جيدًا خطورة هذا الجهاز على أي نظام؛ كون أن لديهم صلاحية وملفات ضخمة جدًا منذ عهد “مبارك”، بل عمل على تفكيك هذا الجهاز، وربما اختيار “سليمان” نائباً لـ “مبارك” كان بداية تفكيك هذا الجهاز، اختيار “سليمان” ثم “موافي” ثم “شحاتة” وما بعدهم في تلك الحقبة كان جزءاً من عملية التفتيت نتيجة للصراع بين “السيسي” و”المخابرات العامة”، التسريبات السابقة في ٢٠١٤ البعض يرى أنها ربما جزء من الصراع، أما مرحلة ما بعد “خالد فوزي” فتم السيطرة على الجهاز، وكل من يقاوم “السيسي” به أغلبهم الآن خارج جهاز.

وجدير بالذكر أنه تم إحالة أكثر من 120 وكيلاً من جهاز المخابرات العامة إلى التقاعد.

ومعروف أن أي مسؤول في أي مؤسسة سيادية يتم إحالته الي التقاعد، قوته بتنقص، فمن يظن أن هؤلاء من يصارعون “السيسي” الآن ظني أنهم على خطأ، ممكن يكونوا دخلوا على خط الصراع، ولكن الصراع الآن داخلي، وهدف رحيل النظام ليس الأساس، ولكنه قد يكون أحد الأهداف، وربما الأيام القادمة ستحمل المزيد.

هل الوضع الإقليمي والدولي حاليًا مُهيَّأ لعملية تغيير؟ يعني هل ستجد المجموعة الراغبة في التغيير الآن غطاءً دولياً كما وجد “السيسي” أثناء انقلابه على “مرسي”؟.

المجموعة التي تريد التغيير تستكشف الوضع الإقليمي والدولي، بالنسبة لهم “محمد علي” أمر لابد من استثماره ودا تم في رأيي، وحدث تنسيق، ومن المعلوم بالضرورة أنه لن يحدث تغيير داخل الجيش دون دعم دولي، أمريكا تراهن على المؤسسة وليس الشخص، ومؤخرًا واضح وجود مشهد مرتبك بين “السيسي” والولايات المتحدة؛ بسبب التقارب الاستراتيجي الذي يحاول “السيسي” القيام به منذ ٢٠١٣ لـ ٢٠١٩ مع روسيا الاتحادية.

هذا التقارب كان مبررًا حتى وصول “ترامب” للحكم في ٢٠١٦، والتبرير أن الإدارة الأمريكية كانت قد قطعت المعونة، وأوقفت التسليح نتيجة الانقلاب، وفضّ “رابعة” و”النهضة”، فـ “السيسي” توجَّه لروسيا كبديل، وتم إبرام العديد من الصفقات العسكرية “صفقات التسليح ما بين مصر وروسيا”، كان هذا مفسر في دوائر الإدارة الامريكية حينها.

ولكن منذ مجيء “ترامب” وحتى قبل مجيئه تم الإفراج عن المساعدات وأصبحت العلاقات مفتوحة، وتشبه ما سبق، وعادت المساعدات العسكرية، وبرزت تصريحات “ترامب” الداعمة لـ “السيسي”، بعد ٢٠١٦ عادت العلاقة كما كانت، ومع ذلك استمر “السيسي” في التقارب مع روسيا، وأصبح يتم عقد اجتماعات بصيغة ٢ + ٢ بشكل سنوي، أي بحضور وزراء الخارجية والدفاع الروسيين والمصريين كدليل على وجود علاقات استراتيجية، بالإضافة لتدريبات حماية الصداقة أقوى التدريبات التي يقوم بها الجيش كل عام مع روسيا.

أما الجديد فهو ما جرى مؤخرًا من قيام “السيسي” بمحاولة تمرير صفقة ما دون علم الأمريكان، وكان اللواء “محمد الكشكي” الذي تم الإطاحة به قريباً مهندس تلك الصفقة، وبناء على المعلومات فإن الأمريكان قد علموا بما يتم من قِبل “السيسي” بمساعدة “الكشكي” في إبرام الصفقة التي تتحفّظ عليها الولايات المتحدة، وذلك منذ عدة أشهر، وتمّت مواجهة “السيسي” و”الكشكي” بها، ولكن بسبب الغضب الأمريكي المتصاعد، تم الإطاحة بـ “الكشكي” مساعد وزير الدفاع للعلاقات الخارجية.

يذكر أن “الكشكي” هو أحد أسباب فك الحظر المساعدات على نظام “السيسي” في عهد “أوباما”، وهو يُعدّ وزير الخارجية الفعلي.

بالإضافة لاضطراب المشهد مع أمريكا، مصر والسعودية كذلك في مشكلة، حيث تم تعيين رئيس الأركان الباكستاني بدلًا من المصري في قيادة التحالف الإسلامي، رغم أن الاتفاق كان أن يتم تعيين المصري، وانسحبت مصر تدريجيًا من الصورة.

مَن يريد التغيير يستثمر “محمد علي”، ويستثمر التوتر الإقليمي والمحلي.

أمر آخر، “السيسي” كان يستخدم فزاعة “محمد مرسي”، ففي عام ٢٠١٦ كان يوجد مشهد مقارب للمشهد الحالي، وتحديدًا أثناء “ثورة الغلابة”، وبالفعل جرى حينها اجتماع للمجلس العسكري في أكتوبر ٢٠١٦؛ لمناقشة تداعيات تلك الثورة، ووجدت وجهتا نظر أثناء الاجتماع وهما:

الأولى طلبت من “السيسي” بناءً على الوضع الاقتصادي المُتردّي، وخوفًا من عودة الخطر على الجيش بشكل عام وليس على “السيسي”، أن يجلس هو ونظامه حتى ٢٠١٨، وبعد ٢٠١٨ يأتي حاكم عسكري جديد، يمحو ما قام به نظام “السيسي”، ورفض “السيسي” وتعلَّل بأن البديل هو الشرعية.

أما الثانية، فكانت وجهة نظر “السيسي” بالطبع، وبقاء سلطته وسيطرته واستمرار وجوده على رأس السلطة.

“ثورة الغلابة” كانت في نوفمبر ٢٠١٦، وقتها انتشرت قوات “التدخل السريع” في الشوارع، والملاحظ أنها القوات التي أنشأها “السيسي” في مارس ٢٠١٤، قبل ترشحه للانتخابات.

ما ورد في المعلومات أثناء “ثورة الغلابة” أن “السيسي” لم يكن يخشى من التظاهرات، وإنما نشره لتلك القوات كان خوفاً من أن المجموعة التي وقفت قبل الثورة بشهر وطلبت منه التنحي في ٢٠١٨ أن تقوم باستغلال الحدث، وعقب انتهاء موجة “ثورة الغلابة” قام “السيسي” في ديسمبر ٢٠١٦ بإقالة ١١ فرداً من المجلس العسكري.

رغم تشابه المشهدين إلا أن الدعم الإقليمي والدولي أثناء “ثورة الغلابة” لم يكن متوفراً، وكانت فزّاعة “الشرعية” مُتمثّلةً في الرئيس الدكتور “محمد مرسي” موجودة، أما الآن فالوضع الدولي متوتر، “محمد علي” قام بتوفير جو مناسب، الفزاعة الآن لم تعد موجود، ودكتور “مرسي” توفّى، وهذه زاوية هامة.

“السيسي” قام بحبس عدد من قادة الجيش لأسباب متفرقة أبرزهم “عنان”، في رأيك ما مصيرهم في ظل سعي “السيسي” لإضعافهم وصولًا لسجنهم؟.

الحراك الآن يُطالب بخروج المعتقلين، وهو ما أكَّد عليه “محمد علي” الثلاثاء الماضي، “علي” طالب بخروج المعتقلين السياسيين والمعتقلين في قضايا أموال وخروج الضباط، وإذا تم الاتفاق بين طرفي الصراع، سيكون هناك تهدئة داخل المؤسسة العسكرية، وفي ظني أن موضوع “عنان” من أهم الملفات التي تدار داخل المؤسسة، وحبسه أحدث بلبلة داخل الصفوف

الحوار منشور على موقع الثورة اليوم