تخطى إلى المحتوى


* استراتيجية العسكر مع “الإخوان” هي التعاون التكتيكي ثم التنكيل

 كل الحركات الإسلامية تقع تحت بند “عدو” لدى العسكر 

 شباب “الإخوان” الآن لديهم فلسفة مختلفة للتعامل مع العسكر 

 اتبع الجيش سياسة الفُرقة بين الثوار في ٢٠١١

 نجح الجيش في تصوير “الإخوان” كحلفاء له عقب الثورة 

“السيسي” يسعى لتأسيس استراتيجية جديدة للجيش 

 استراتيجية “السيسي” هي تأميم كل الملفات والهيمنة الاقتصادية 

 الخوف من مصير “مبارك” أحد أسباب سعي “السيسي” للهيمنة


حوار – هدى التوابتي:

يواصل الباحث بالعلاقات المدنية العسكرية، “محمود جمال“، الحديث عن جمهورية العسكر في مصر، وفي الجزء الثاني من حواره مع “الثورة اليوم”، يتناول علاقة الإسلاميين والعسكر، وما هي استراتيجية العسكر مع الإسلاميين منذ ١٩٥٤؟ وأين أخطأ الإسلاميون في علاقتهم بالمجلس العسكري بعد الثورة؟ وهل كان هناك توافق بين الطرفين أم أن الصورة الحقيقية لعلاقتهم مختلفة عما نقلته وسائل الإعلام؟.

كما ينقل “جمال” رؤيته للعلاقات المدنية العسكرية خاصة بعد ما نقله المقاول “محمد علي” من فضائح تلك التعاملات، ولماذا يسعى قائد الانقلاب “عبد الفتاح السيسي” للهيمنة على الاقتصاد المصري؟ وما مصير التعاون بين العسكر والمدنيين في ظل الأحداث الجارية؟ وأخيرًا هل يتوقع أن تنتهي عسكرة مصر؟ وكيف يمكن أن تنتهي؟.

حاورته – هدى التوابتي:

* كيف تصف علاقة الإسلاميين بالسلطة في مصر؟ وهل أخطأ الإسلاميون في تعاملاتهم مع العسكر؟.

سبق وكتبت مقالاً بعنوان: “العسكر والإخوان المسلمين”، حاولت في هذا المقال أن أقول للحركات الإسلامية: إن من يقرأ التاريخ، كان لابد أن يتعامل مع الجيش المصري في ٢٠١١، بشكل مُمنهج مختلف عما فُعل.

نعم علاقة “الإخوان” تحديدًا مع الجيش منذ عام ١٩٤٨ كانت متواجدة، سواء بمشاركة “الإخوان” في الجهاد بفلسطين، أو علاقتهم بـ “الضباط الأحرار”، حيث كانت بينهم علاقة، وكان حلقة الوصل بين “الضباط الأحرار” و”الإخوان” الضابط “عبد المنعم عبد الرؤوف”، حيث كان لـ “الإخوان” دور كبير جدًا مع “الضباط الأحرار”.

كان “عبد الناصر” يُدرك دور وحجم “الإخوان”، وربما الخلاف الذي تم بين “نجيب” و”عبد الناصر” دعّم “الإخوان” فيه “نجيب”، واتضح لهم فكر “عبد الناصر”، لذلك عقب انتهاء “عبد الناصر” من التنكيل بـ “نجيب” انتقل للتنكيل بـ “الإخوان”، ولـ “عبد الناصر” خطاب وجّهه لأعضاء جماعة “الإخوان المسلمين” بحلوان، يظهر فيه مدى خبث “عبد الناصر”، وهو الخطاب الذي وقف فيه يُردّد شعار “الإخوان”: “القرآن دستورنا، والله غايتنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا”. 

ولأن من ضمن أدبيات جماعة “الإخوان” التي يعرفها “عبد الناصر” التغيير – “بغض النظر عن عدم وجودها الآن في فلسفة الحركات الإسلامية” – قام “عبد الناصر” نتيجة لذلك بالتنكيل بالحركات الإسلامية بشكل عام، ثم تم إخراجهم من السجون حتى عام ١٩٦٥، واتهم “ناصر” “الإخوان” في ٦٥ بما يُسمّى التنظيم السري بقيادة “سيد قطب”؛ لأن التنظيم كان يرغب في تغيير الدولة المصرية، وتم الحكم على “قطب” بالإعدام نتيجة لذلك.

خلال تلك الفترة كان هناك حديث مهم لـ “عبد الناصر” تظهر فيه استراتيجية التعامل مع “الإخوان” من قِبل النظام العسكري، وهي استراتيجية شيطنة الجماعة، الفيديو متداول على اليوتيوب، تجد فيه “عبد الناصر” يتهم “الإخوان” بأنهم عملاء، يقومون بالتعاون مع الاحتلال، والغرب، ويتآمرون على الدولة المصرية، ويريدون فرض قيود دينية على الدولة.

عقب انتهاء حقبة “عبد الناصر” قام “السادات” بانتهاج نفس الفلسفة، استعان بـ “الإخوان” لمحاربة “الاشتراكيين”، وعقب الانتهاء من تلك المصلحة زَجَّ بهم في السجون، بل إن “السادات” له خطاب عام ١٩٨٠ يتشابه تماماً مع خطاب “عبد الناصر”، وكأن هناك خطاب مُوحّد يتم تداوله لشيطنة “الإخوان”.

اتبع “مبارك” نفس سياسة سابقيه، حتى أن هناك فيديو له عام ١٩٨٦، يتهم “الإخوان” بنفس الاتهامات، التعامل مع الغرب، وحمل السلاح، وفرض القيود الدينية، ومع ذلك كان هناك هامش ومساحة في عهد “مبارك”، ربما تكون بعض أهدافها محاربة الفكر المتطرف أو محاربة التنظيمات الأخرى.

تلك الاستراتيجيات السابقة تكشف أن استراتيجية الحكم العسكري بشكل عام من “الإخوان” والإسلاميين، هي التعاون التكتيكي للوصول لهدف ما، ومن ثَمَّ التنكيل بهم، وكل الحركات الإسلامية تقع تحت بند “عدو” في استراتيجية التعامل معهم.

ازدادت استراتيجية التنكيل بعد “عبد الفتاح السيسي”، ولم يتعاون مع الإسلاميين؛ لأنه جاء للحكم بانقلاب على حركة “الإخوان” التي وصلت للحكم عام 2012، فهو جاء بانقلاب عليهم مباشرة، وبذلك لم يكن هناك أي مجال للتعاون.

أعتقد أن شباب “الإخوان” والحركات الإسلامية الآن إدراكهم مختلف تمامًا، أصبح لديهم فلسفة واستراتيجية للتعامل مع النظام العسكري الحالي بشكل مختلف، ويحاولون امتلاك أدوات وإمكانيات مناسبة لمواجهة هذا النظام.

* كيف تصف علاقة الإسلاميين وتحديدًا “الإخوان” – إبان الثورة – بالعسكر؟ وهل كانوا شركاء وبينهم تعاون كما تصفهم بعض التيارات؟.

التساؤل في البداية حول حراك ٢٠١١ هل هو ثورة أو انقلاب، بالتأكيد هي ثورة، ولكن لولا الدور الإيجابي – ونضع تحت الإيجابي أكثر من خط – للمؤسسة العسكرية لم تكن الثورة لتنجح.

والسؤال: لماذا وقف الجيش مع الثورة؟ الجيش عنده مشكلة في حكم المدنيين، و”مبارك” كان يُؤسّس لأن يرثه نجله “جمال”، وهو ما يتخالف مع مقولة معروفة للجيش المصري، وهي: “مبنديش التحية لرجل مدني”؛ ولذلك كان الجيش ضد التوريث، وهو ما يُفسّر أن الجيش تعامل بشكل إيجابي مع الثورة المصرية، بخطة محكمة ومدروسة؛ للتخلّص من مرحلة حكم “مبارك”، الذي يُرسّخ لفكرة التوريث؛ لضمان أن الحكم سيظل عسكرياً بعد “مبارك”.

أهم محاور الخطة المُحكمة التي اتبعها الجيش سياسة الفرقة بين شركاء الميدان، فالجيش يعلم تمام العلم أنه لولا وجود جماعة “الإخوان المسلمين” في حراك ٢٨ يناير لم يكن الزخم الثوري ليستمر، فكان يعلم أن “الإخوان” هم الأكثر دوراً وتنظيماً وتعداداً في كل التظاهرات التي تمت داخل مصر، مع علمه ومعرفته تلك، اتبع سياسة اسمها سياسة التفتيت، وسياسة الفرقة بدأها مارس ٢٠١١ بالاستفتاء.

حيث أظهرت المؤسسة العسكرية بأن التعديلات تتم بالتوافق مع “الإخوان” والحركة الإسلامية كلها، ومن هنا بدأ الشرخ الثوري، من مارس ٢٠١١ اختلف الفرقاء الذين جلسوا معًا ١٨ يوماً لإسقاط النظام.

عقب الاستفتاء جرت انتخابات مجلس النواب، وبمرور الوقت تم صناعة الفرقة، وأصبح الإخوان في اتجاه، والرفقاء الثوريين ” الاشتراكيين والمدنيين والعلمانيين..” في صف آخر.

وجرى تصوير الأمر أن “الإخوان” والعسكر بينهم صفقة، مع أنه لا يوجد أي صفقات، وإنما أراد الجيش أن يظهر هذا الشكل، ووصلت الفُرقة للدرجة التي كانت فيها المنافسة بين “مرسي” رمز الثورة و”شفيق” رمز النظام البائد، فقام كثير من رفاق الثورة إما بإبطال أصواتهم أو انتخاب “شفيق”؛ نتيجة للشرخ الذي تم من قبل خطة الجيش.

يمكن القول: إن “الإخوان” أدركوا الفخ بدايةً من وثيقة “السلمي” فوق الدستورية، ولكن الفخ كان قد نُصب، ووقع فيه “الإخوان” والإسلاميون، وحتى الآن لم يستطع الفرقاء الالتحام؛ بسبب تلك الخطة.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي

 لعب الجيش سابقًا دور اللاعب الأكبر في الاقتصاد إلا أنه منذ تولّي “السيسي” الحكم أصبح يسعى للسيطرة الكاملة في سباق سريع، فما سبب ذلك؟.

تختلف فلسفة “السيسي” تمامًا عما رأيناه في الأنظمة العسكرية كلها، كانت فلسفتهم من قبل السيطرة بوضعية لاعب كبير مع إعطاء جزء للمدنيين لتحقيق مكاسب، بالإضافة لبعض الأجهزة الأمنية، ما حدث لـ “مبارك” كان بسبب قيام ثورة عليه بمشاركة من الجيش، ولكن الجيش كان لم يملك كافة الملفات، “السيسي” في ذلك الوقت كان مدير المخابرات الحربية، وكان يرى أن هناك أجهزة أخرى مثل “المخابرات العامة” معها أهم الملفات، وكذلك “الأمن الوطني” يسبح في تيار لا يقع تحت سيطرة الجيش، وهناك مدنيون ورجال أعمال لهم مكاسب.

ويبدو أن “السيسي” وهو مدير مخابرات حربية لاحظ أن الجيش يتداخل في الملفات المختلفة دون سيطرة، وكان ذلك سببه – في رأيه – عجز “مبارك” عن مواجهة ٢٥ يناير، فأصبحت فلسفة “السيسي” وضع استراتيجية جديدة لنظام حكمه، وهي تحويل الجيش المصري من لاعب إلى فاعل مُهيمن ومُسيطر.

فقام “السيسي” بتأميم الحياة السياسية، ووضعها تحت سيطرة نجله “محمود السيسي” واللواء “عباس كامل” صديقه المقرب، وأمَّمَ كذلك الحياة الاقتصادية، بحيث إنها تصبح قادرة على إحكام سيطرته على الشعب المصري، يستطيع استخدامها كسياسة عقابية، كل شيء في يده، القمح، حليب الأطفال، الصحة.. فهو يقدر أن يصنع أزمات ويستطيع إنقاذ المصريين منها؛ لترسيخ فكرة أن الجيش يتدخل ويحلّ الأزمات.

أصبح مسعى “السيسي” أن تكون المكتسبات بشكل عام لنظامه هو، هو لا يملك حزباً يتكئ عليه في ممارسة العمل السياسي، ولكنه يعتمد على حفنه قليلة من قيادات الجيش للسيطرة على كافة النواحي داخل الدولة المصرية، فاستراتيجيته أن الامتيازات الاقتصادية تكون لنظامه؛ ليضمن ولائهم ويستمر في الحكم لسنوات طويلة، بناء على أن الجيش وكافة مفاصل الدولة المصرية في يده هو.

تلك الاستراتيجية لا تنفي وجود ضباط رافضين للوضع، وهو ما يؤكده “محمد علي” في فيديوهاته، فـ “السيسي” يعتمد على حفنة قليلة من القيادات العسكرية، نعم المرتبات زادت ولكن مقارنة امتيازات القيادات الوسطى وصغار الضباط بالامتيازات التي يتحصّل عليها كبار القيادات لا تُقارَن، صغار الضباط والقيادات الوسطى رواتبها تعتبر قليلة، تتراوح تقريباً من ١١ ألفاً إلى 18 ألف جنيه بالبدلات، في ظل الوضع الاقتصادي المُتأزم لا تساوي شيئاً.

“السيسي” الآن يقوم بتأميم الحياة الاقتصادية؛ ليكون المتحكم في الحياة كلها بمصر، مُتملّكاً الملف الاقتصادي، ولأنه يرى أن الامتيازات لابد أن يكون مرجوعها فقط للمؤسسة العسكرية.

أمر آخر؛ مَن يظن أن الجيش يُركّز على ملفات دون أخرى في الملف الاقتصادي فهذا ظن خاطئ، “السيسي” استراتيجيته هي السيطرة على الحياة الاقتصادية بشكل كامل، ولكنه يضع خطة مُحكمة مدروسة للوصول إلى الهيمنة والسيطرة على كافة الملف الاقتصادي، تتلخّص تلك الخطة بأنه يسيطر أولاً على الكيف فيُسيطر في البداية على أهم القطاعات الاقتصادية، مثل قطاع المقاولات كما تحدّث “محمد علي” والبنية التحتية ثم قطاع الاتصالات… لكن وبمرور الوقت وطبقاً لاستراتيجية السيطرة والهيمنة سيقوم بالسيطرة على الكم بمرور الوقت.

ضرر سياسة “السيسي” سيُصيب الجميع، سواء مستثمرين أجانب أو مصريين، ومَن يظن منهم أنه بمنأى عن هيمنة الجيش فهو واهم، فهي ستلحق الضرر للجميع.

* يواجه الجيش المصري اتهامات بأنه تراجع عن دوره العربي والإقليمي، فما مظاهر هذا التراجع وحقيقته؟

حملت خطابات “السيسي” بداية انقلابه، خطاب للداعمين الإقليميين تحديدًا، كان يقول فيها: إن الجيش المصري “مسافة السكة”، وفي نظرة سريعة للجيش المصري نستطيع القول: إنه بعد ٢٠١٣ تم تسليحه بشكل كبير جدًا، سواء في المنظومة التسليحية البرية أو البحرية أو الجوية، وأغلب تلك الصفقات كان تمويلها إماراتي وسعودي.

عمليات التمويل والتسليح جاءت نتيجة قدرة “السيسي” على الابتزاز، فاستخدم منطلق بأن الجيش المصري هو حامي المنطقة العربية، وأنه “مسافة السكة”، السعودية والإمارات هما اتباع الحليف الأمريكي، وأمريكا تصف الجيش المصري في الاستراتيجية الأمنية الأمريكية بأنه جيش وظيفي يقوم بأعمال وظيفية، فـ “السيسي” حوَّل الجيش إلى شرطي المنطقة أو “عصاية” أمريكا في المنطقة.

التراجع جاء بناء على عدة أشياء أبرزها: عقب ثورات “الربيع العربي” لدينا ملفات اليمن وسوريا وليبيا.

أولًا: اليمن لدينا تحالف “عاصفة الحزم”، من ضمن تكوينه كان الجيش المصري، بل كان التركيز على الجيش المصري، كان أهم دور المفترض في التحالف هو دور الجيش المصري، ولكن حتى يومنا هذا لم يتم حل الأزمة اليمنية، بل يضرب “الحوثي” الرياض بطائرات مُسيّرة، وكل يوم يسقط قتلى سعوديون بنيران “الحوثي” في “جازان”، والجيش المصري لم يقم بالدور المَنوط به، بل خذل السعوديين، وتقاعس عن الاتفاق الذي تم وقتها، وأعلن أن الجيش سينحصر دوره على الضربات الجوية، والمشاركة البحرية في البحر الأحمر؛ بدعوى أن الفرد العسكري المصري المقاتل غير مهيئ للدخول في جغرافيا عسكرية مثل الأراضي اليمنية.

أما ليبيا؛ فالجيش المصري الآن يقف مع “عملية الكرامة” التي يقوم بها اللواء “خليفة حفتر” منذ ٢٠١٤، وحتى الآن “حفتر” لم يحسم الصراع داخل ليبيا، بل استطاعت قوات “السراج” تحقيق مكاسب كبيرة على الأرض الآن، بينما يخسر “حفتر” بشكل ضخم الأراضي والأفراد، ورغم تواجد الجيش المصري في شرق ليبيا من ٢٠١٤، لم تحسم المعركة.

فهو في اليمن لم يُفلح، وفي ليبيا والتي تعد أمناً قومياً في عقيدته الآن التي تشمل المنطقة الغربية بسبب الفوضى في ليبيا، وبها معسكرات للجماعات المسلحة التي تقوم بعمليات في مصر، وتواجد مصري جوي وبري، وتدريب لمليشيات “حفتر”، إلا أن الأمور لم تُحسَم حتى وقتنا هذا.

المصيبة الأكبر في تراجع الجيش المصري، أنه منذ عام ١٩٧٣ لم يُحارب، ربما شارك بشكل محدود في الصراع (العربي – العربي) عام ١٩٩١، ولكن لم يحارب بشكل فعلي، فيمكن القول: إن الجيش المصري يُعاني فعليًا بسيناء، الجيش المصري من ٢٠١٣ وحتى ٢٠١٩ خسائره في الأفراد كبيرة جداً، هناك ضباط كفاءات قُتلوا مثل: “أحمد منسي” و”رامي حسنين” و”مغربي”، وهم يموتون بسبب الاستراتيجية الخطأ لـ “عبد الفتاح السيسي”.

فتراجع الجيش المصري راجع إلى أنه لم يُحقّق أي نجاحات، ليس في الملفات الخارجية فحسب بل حتى في الملفات الداخلية، بل يموت ضباط الجيش المصري في مواجهات مع المئات بسيناء.

ورغم تسليح الجيش المصري الضخم إلا أنه لم يَعُد بالنفع عليه، ففي التصنيف الذي قامت به “جلوبال فايت باوزر”، وهو موقع تصنيف الجيوش، أخرج الجيش المصري من تصنيف أقوى عشر جيوش، وأصبح رقم ١٢، والسبب أن معايير التصنيف لا تقتصر على التسليح فحسب، ولكن تشمل التسليح والجغرافيا والتدريب، يمكن القول: إن الفرد المقاتل المصري في أصعب معايير، وهذا ما يُفسّره معاناة الجيش المصري في سيناء وعدم حسم الأمور في ليبيا.

الجيش المصري الآن يهتم بالتسليح البحري، والجوي، التهديد لدينا في مصر هو تهديد بري، يوجد أربعة مستويات تسليح للجيش، وهي على الترتيب بالنسبة للجيش المصري، التسليح الجوي أولاً، ثم البحري في الثانية، ويأتي الاهتمام في المرتبة الثالثة بالبري.

في المقابل نجد منهج وعقيدة الجيش أنه يواجه الإرهاب، والإرهاب بري في سيناء، العسكريون يقولون: إن الجو لا يحسم أي معركة، إذا كنت تريد أن تحسم أي معركة عسكرية في سيناء كان لابد أن تهتم بالتسليح البري، والفرد المقاتل، ولكن ما يقوم به “السيسي” هو الاهتمام بالتسليح الجوي والبحري، ليحصل على أكبر مكاسب من الاتحاد الأوروبي، وخاصة ألمانيا وفرنسا؛ لابتزازهم بدعوى مواجهة الهجرة غير الشرعية، واستغلال مخاوفهم منها.

 كيف تتوقّع نهاية تجربة العسكرة في مصر؟ وهل ستتشابه مصر مع سيناريوهات حدثت من قبل أم أن لها جوانب أخرى؟

المؤسسة العسكرية في مصر لها وضعية خاصة، تجربة “سوهارتو” قد تحمل بعض التشابه، والجيش الإندونيسي في هذه التجربة هو الذي قرَّر التراجع بعض الشيء، وإن كان ما زال متواجدًا وله دور.

منذ عام ١٩٥٤ وحتى ٢٠١٩ المشهد المصري عسكري بامتياز، الضباط في مصر دائمًا ما يقولون: ” مصر بتاعتنا، ولا يصلح لها إلا رجل عسكري”، رؤيتهم أنهم أجدر الناس بالحكم، ونظرتهم أنهم القادرون على الحكم والأجدر، مؤسسات الدولة الآن برمتها تُدار من داخل المؤسسة العسكرية، ولكن ما زالت هناك أصوات تتحدّث عن ضرورة تراجع “السيسي”، وأن وجوده سيعود على المؤسسة بالضرر والخطر، وأن الدولة تسير في اتجاه خاطئ.

نحن ننظر للتجارب السابقة وندرسها لأمر الاعتبار والاستثمار، في الأرجنتين مثلاً، كان هناك حراك من أمهات المُختفين قسرياً، وكانت تلك بذرة التحرك ضد “فيديلا”، وعندما ازداد الغضب قام الجيش الأرجنتيني بالإطاحة بـ “فيديلا”؛ حتى لا يعود الخطر على الجيش الأرجنتيني ككل بسبب سياسة فرد.

في تشيلي نفس الموقف، والمعارضة هي من أصرَّت ونشدت حدوث استفتاء، والمؤسسة العسكرية حينها انقسمت في الداخل، ولم يكن “بيونشيه” ليمرر النتيجة إلا بانقسام العسكريين.

بشكل عام ومن قراءة التجارب، حينما يجد العسكريون خطراً يقومون باستبعاد مصدر الخطر من أجل استمرار المؤسسة، ليظلّ لها دور في الهيمنة والسيطرة، لا تجارب تُستنسخ صحيح، ولكن أيضًا “السيسي” يسير نحو تعميق الفجوة بين المؤسسة العسكرية والشعب، ويزيد الضجر الشعبي.

المؤسسة العسكرية المصرية، والتي هي في – وجهة نظري – ليست كتلة مُصمتة، وتتعدّد بداخلها التوجهات والأيديولوجيات، تعلم جيدًا أنه إذا زادت هذه الفجوة، ورأوا خطورة استمرار “السيسي” في الحكم بسببها، ربما تعمل على إخراج “السيسي” بأي شكل من الأشكال من الإدارة ومحاولة تصحيح مسار المؤسسة.

ولأن الفكر داخل النظام العسكري هو أن الحكم يجب الحفاظ عليه داخل المؤسسة العسكرية، فإذا استمر “السيسي” في استراتيجيته فمن المحتمل أن يكون التفكير في خروج “السيسي” والمجيء بحاكم عسكري آخر بفكر مختلف. ولكن على قيادات المؤسسة العسكرية أنْ تعلم أنَّ الجيش يجب ألا يكون له أي دور سياسي، وأن من أهم أولوياته حماية حدود البلاد، وأن الجيش المنوط به حماية الدولة والعمل بشكل مباشر في الملف السياسي يعود بالضرر على الدولة المصرية ككل.

ليس مستبعداً أن يكون هناك حالياً داخل الجيش المصري قيادات تفكر بذلك الشكل، وربما الصراع الحالي جزء منه ذلك الصوت الذي يدعو إلى الإدارة من الخلف، والمجيء بحاكم مدني يكون في الواجهة.

* كيف يمكن أن تنعكس فيديوهات وشهادة “محمد علي” على علاقة المدنيين العاملين والمتعاونين مع الجيش؟. 

القاعدة الرئيسية التي قلناها وسنُعيدها مرة أخرى، أن الجيش تحوَّل من لاعب رئيس لفاعل مُهيمن، وهو يسير نحو سيطرة تامة للملفات الاقتصادية، والامتيازات ستعود على حفنة القيادات فحسب، ولن يتم وضع اعتبار للمستثمرين ورجال الأعمال، ومن يظن أن الجيش يُركّز على ملفات دون أخرى فهو ظن خاطئ.

المؤسسة العسكرية تعمل على تأميم القطاع الاقتصادي، ما سيلحق الضرر بالجميع، مثل المستثمرين الأجانب الذي يعتقدون أنهم بمنأى عن أي ضرر، الدور قادم للجميع.

* لماذا فشلت تجارب الإسلاميين في التوغل بالمؤسسات العسكرية سواء داخل مصر أو خارجها؟.

لم تفشل كل تجارب الإسلاميين، الشيخ “حسن الترابي” أخذ قراراً بالتوغل في الجيش السوداني، ونجح في تحقيق مَسعاه، ووصل “عمر البشير” للحكم، “سيد قطب” كان يحمل نفس الفكر، وقضية “التنظيم السري، كانت جزءاً من هذه المحاولات.

لابد من دمج شباب الجماعات الإسلامية في المؤسسة العسكرية لكي تصل للتغيير، الشيخ “سيد قطب” كان يحمل هذا التوجه، وتم القضاء عليه في قضية “التنظيم السري” عام ١٩٦٥، والحكم عليه بالإعدام، وبالقضاء عليه وإعدامه أصبحت جماعة “الإخوان المسلمين” بمنأى عن تلك المؤسسات، ولمّا حدثت الثورة لم تستطع أن تجد قيادة تابعة لها؛ لأنها لم تكن تمتلك داخل المؤسسة العسكرية أي فرد؛ لانعدام وجود هدف لتجهيز تلك المرحلة، نموذج “فتح الله جولن” والاندماج أمر ضروري لأي حركة تريد التغيير والسيطرة على الحكم

نشر على موقع الثورة اليوم هنا

طالع الجزء الأول من الحوار عبر الرابط من هنا :