الدين والديمقراطية بين التخوين وفشل حركات الإصلاح بالسعودية
كتبت – هدى التوابتي
تعد إشكالية الدين و الديمقراطية من الإشكاليات التي تثير جدلًا واسعًا في المملكة العربية السعودية، يقودها النخبة الليبرالية التي لا يمكن وصفها بأنها قلة، بل تزداد كل يوم في مقابل فئة علماء ورجال الدين باختلاف مواقعهم سواء كانوا نافذين في الدولة أو غير نافذين.
ويعاد طرح تلك الإشكالية من آن لآخر خاصة مع تمكن النخب الليبرالية من التغلغل داخل مراكز اتخاذ القرار في المملكة، وخاصة في المؤسسات الإعلامية الهامة الناطقة بلسان الدولة ، مقابل شريحة واسعة من رجال الدين والدعاة في المملكة، ممن لديهم أيضَا نفوذ بارز في المملكة يدعمهم في ذلك رفع المملكة لراية تطبيق الشريعة.
ويشير مفكرون بارزون إلى أن تلك الأشكالية بين حملة ما يسمى بتيار الإصلاح السياسي ومخالفيهم في أنهم تحولوا لدور الأبوية والوصاية متجاهلين أن الأهم هو شرعية اسلطة أيًا كان مسماها ، وسقطوا في فخ مركزية النموذج الغربي رغم اعتراف بعضهم بضرورة القطيعة المعرفية إلا أنهم فشلوا في تحرير تصورهم لمستقبل الإصلاح السياسية إلا على أساس النموذج الغربي.
التخوين المتبادل
وظهرت تلك الإشكالية واتصنيف والاتهامات بين التيارين الديني والليبرالي في المملكة، مع عدة قرارات للنظام السعودي أبرزها إلغاء سلطة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنك، والتي أدت لحالة واسعة من التراشق الإعلامي بين التيارين في المملكة، وصلت إلى اتهام كل طرف منهما للآخر بالعمل ضد مصالح المملكة.
واستغل المحسوبين على التيار الليبرالي حادثة “النخيل مول” والتي قام فيها أحد أعضاء الهيئة بالتهجم والاعتداء على سيدة بالضرب، وشنو هجمة مكثفة على الهيئة قبل أيام من القرار الذي قيد من تحركاتها.
ورصد أحد المواقع الإخبارية العربية المعروفة أكثر من 15 مقال خلال يومين فحسب لكتاب سعوديين تهموا خلالها جهاز “الهيئة” بارتكاب سلوكيات خاطئة، والاندفاع نحو التطرف، فيما ذهب كتاب آخرون لاتهام “الهيئة” بأنها “مصدر خطر على أمن المواطنين، وأنها سبب أساسي في “تفريخ الدواعش”، وفق وصفهم.
فيما قابل التيار الديني والمشايخ والدعاة في المملكة تلك الهجمة بحملة على مواقع التواصل الاجتماعي من خلال هاشتاق “إعلاميون يخدمون أعدائنا” معتبرين أن الحملة على الهيئة في هذا التوقيت تصب في مصلحة أعداء المملكة فقط.
وقال الداعية المعروف محمد العريفي في تلك الحملة “15 مقالا مُحرضا لصحفيين يهاجمون الهيئة، هل هي صدفة؟”، وتابع: “كيف اتفقوا؟ أو أمر دُبر بليل؟ يُحرضون على جهاز حكومي رسمي!”.
تلك الخلافات التي تشتعل من حين لآخر بين مثقفي المجتمع السعودي وعلماءه تفتح الإشكالية حول مستقبل المجتمع السعودي وهل سيتجه للتغيير والانفتاح كما يطالب المثقفين، وبمصطلح آخر سيتجه للإصلاح السياسي بتطبيق نموذج الديمقراطية أم أنه سيظل نموذجًا لتطبيق الشريعة التي لا تعني الانعزال عن المجتمعات الأخرى، ولكنها تعني الاحتفاظ بالهوية والثقافة.
التغييرات تحدث من خلال رؤى وأفكار لمفهوم السلطة وشرعيتها :
وأشار الباحث والكاتب المهتم بشؤون وإشكاليات الثقافة العربية والإسلامية نبيل علي صالح إل هذا الأمر قائلًا أن ” الأمر الذي يمكن أن يُحدث تلك التغييرات الكمية والنوعية المطلوبة في طبيعة السلطة التي نبحث عنها، هو تقديم رؤى وأفكار جديدة لمفهوم السلطة والحكم، تتناول – في الأساس، وقبل أي شيء- شرعية
السلطة، وامتدادها الاجتماعي، ورضا الناس الطوعي الحقيقي عنها”.
وتابع “صالح” في مقال له نشرته جريدة الاقتصادية أن “شرعية السلطة – أية سلطة – أهم بكثير من صبغتها ولونها وتركيبتها المعرفية، سواء كانت دينية أو ماركسية أو قومية أو حتى ليبرالية.
وطالب”صالح” من الذين يريدون تطوير الواقع وتغيير آليات المجتمع السياسية عدة أمور هي :
أولا، عدم ممارسة دور القيمومة والوصاية الأبوية على معارفهم، والتخلي عن حراسة أفكارهم ومقولاتهم العاجزة عن مواجهة الواقع والتطورات السريعة والمتلاحقة فيه. ثانيا، المصالحة الحقيقية العقلانية مع الذات بنقدها وتعرية نقائصها وسلبياتها، ووعي الواقع والحياة المعاصرة.
ثالثا، الانكباب على إحداث التغييرات النوعية انطلاقا من الواقع، وليس انطلاقا من الأفكار المسبقة المعلبة .
وتابع علي “أن المثقف والسياسي نتيجة لما سبق من جمود يحاول سر وتجيير الواقع ومطابقة وقائعه المتغيرة باستمرار مع مقولاتهم المتكلسة البائدة ومفاهيمهم العقيمة غير المنتجة، الأمر الذي سيؤدي – كما أدى سابقا ويؤدي حاليا – إلى أن يصبح المثقف و(كذلك السياسي) ضحية أفكاره و(دونكيشوتاته) النضالية الفاشلة بحيث يظهر عمليا في الواقع، وهو يعمل ضد مبادئه وأهدافه المحملة بحمولات أيديولوجية شعاراتية ضخمة كلفته – وكلفت مجتمعه – كثيرا من الدماء والدموع”.
وطالب علي المثقفين والسياسيين بالتحرك على طريق الإصلاح والتجديد الفكري والعقلي والديني مضيفًا ” يمكن أن نصدق أفكارنا، ونصدق بعضنا البعض، بعيدا عن النفاقية والتكاذب والتكاذب المضاد”.
الخلل المعرفي في حركات الإصلاح العربية :
الإشكالية نفسها والتي ظهرت بشكل سطحي في خلافات ظاهرية بين التيارين في المملكة ناقشها الباحث رمزان النعيمي في مقال له بعنوان “الأشكال في الحتمية الديمقراطية” حيث لفت لنظرية التقدم التي عرضها المفكر الإسلامي وائل الحلاق والتي تتلخص في ” افتراض حركة خطية لتقدم الجنس البشري نحو تحريره من الظلامية (جميع صور الظلامية وفقا لتصوره التاريخي سواء في المجال السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو التكنولوجي) لكن عندما تخرج هذه النظرية من نطاقها الغربي، كما فعلت في فكرة الاستعمار الأوربي و كما تفعل الآن من خلال فكرة عولمة مفاهيم الاصلاح و التمنية، فإنها تضع النموذج الغربي بكل صوره دائما في القيادة و تضع النماذج غير الغربية في نقاط أخرى على خط التقدم التاريخي نحو هذا النموذج، و من هذا المنطلق يكون خطاب الحتمية الديمقراطية هو الوجه السياسي لنظرية التقدم و روايتها التاريخية”.
ويضيف النعيمي” في مقاله أننا نجد خطاب الإصلاح السياسي العربي يستخدم مصطلحات ذات غرض تصنيفي بمنطق المتضادات يقع على اثره أي (رأي، شخص، جماعة، حدث، ألخ) أما في خانة “التقدم” أو في خانة “التخلف” بالقياس إلى رواية الحتمية الديموقراطية لحركة التاريخ. و ينتج عن ذلك اعتبار أن تحقُق مفهوم الديموقراطية في نظام الحكم السياسي يعد شرطا طبيعيا وحتميا لتقدم المجتمعات البشرية نحو الحرية والخروج من غياهب التخلف و الظلامية السياسية”.
ويلفت النعيمي إلى موقف المفكر العربي محمد الجابر في كتابه الديمقراطية وحقوق الإنسان والذي على الرغم من تنبيهه للخلل المعرفي في خطاب الإصلاح السياسي العربي و التحذير من التسليم بمسلماته المعرفية السائدةإلا أنه يحذر من أي تصور خارج مفهوم الديموقراطية معتبرًا أن الجابر فشل رغم انتقاده الحاد لمركزية النموذج الغربي في تحرير تصوره لمستقبل الاصلاح السياسي في الحالة العربية و يستخدم ذات اللغة و ذات الثنائيات المتضادة ليؤكد حتمية نموذجها السياسي و يكرر فرضيتها الرئيسية بأن معالجة الخلل السياسي لا يتسنى إلا باستيفاء مفهوم الديموقراطية المحتم.
ويشير النعيمي إلى وقع الجابر في خطأ التصنيف لكل ما يخالف طرحه باعتباره معولا للتخلف، أي معيقا لحركة التاريخ الحتمية نحو التحرر و سببا لاستمرار و تكريس المضاد المفاهيمي.
ويواصل النعيمي قائلًا حول إشكالية الديمقراطية في العالم العربي أن ” أن الدارسين للخلل المعرفي لخطاب الإصلاح السياسي العربي مثل الجابري و الأنصاري قد أدركوا منذ عقود أهمية تحقيق “الاستقلال التاريخي” للمجتمعات العربية من ناحية معرفية، بعيدا عن الحتمية التاريخية للنموذج الغربي، باعتبار ذلك شرطاً ضرورياً لفتح الآفاق أمام العقل السياسي العربي لإبداع نموذج معرفي جديد و مستقل لتشخيص واقعه و تصور مستقبله بالنسبة لإشكال الاستجابة للتحديات الأخلاقية التي تطرحها فكرة الحداثة السياسية”.
ويؤكد النعيمي في ختام مقالته أن عدد بارز من المفكرين العرب قد أكد على ضرورة أنجاز ما يسميه غاشتون باشلار “بالقطيعة المعرفية” (Epistemological Rupture) من سلطة أي نموذج معرفي سابق كشرط لتحقق هذه الاستقلالية لافتًا إلى فشلهم في ربط شرط القطيعة المعرفية بما تستلزمه منطقيا، أي بما يمكن تسميته بالقطيعة اللغوية، أي بضرورة تحرير اللغة المستخدمة في خطاب الإصلاح السياسي العربي من الهيكل المفاهيمي للثنائيات المتضادة المُكرِسة لمسلمة الحتمية الديموقراطية ومن مقاومة الضغط الأخلاقي الذي تمارسه خطابيا”.
نشر بتاريخ 2-8-2016 على موقع الخليج العربي هنا