تخطى إلى المحتوى

cimage-1454591058

كتبت_هدى التوابتى 

أصبح الفشل المستمر هو الشعار الذي يطارد كافة المفاوضات والمشاورات، التي عقدت بـ”جنيف” تحت رعاية الأمم المتحدة، لإيجاد حلول سلمية لأزمات دول الربيع لعربي، فقد مرت دول سوريا واليمن وليبيا بجولات مطولة من المحادثات السياسية، وكان البارز فيها هو الفشل المتكرر، وعدم التوصل لأي حلول تخرج الشعوب العربية من أزماتها، وحروبها المستمرة منذ نحو 5 سنوات.

أسباب الفشل الدائم للمحادثات الأممية في الدول الثلاث، يحصرها مراقبون، في عدة نقاط، أبرزها الانحياز الأممي الواضح ضد من يمثلون الربيع العربي، وصراع الدول الكبرى على النفوذ في المنطقة، والذي أصبح محركًا للوفود بل وللدور الأممي، وعدم جدية أطراف النزاعات وسعيهم لكسب المزيد من الوقت من خلال المحادثات، وغياب الضمانات والتحركات الدولية التي تلزم أطراف الأزمات العربية للالتزام باتفاقياتهم، بالإضافة للصراع الإقليمي على النفوذ بين دول المنطقة، خاصة “إيران والسعودية والإمارات”، والذي يعجل بإفشال أي مباحثات لجنيف.

1 – الانحياز الأممي ضد الربيع العربي

برز الانحياز الأممي ضد الربيع العربي بشكل واضح في القضايا الثلاث الأبرز، التي فشلت فيها محادثات جنيف للوصول لحل لها، اليمن وليبيا وسوريا، وتنوع الانحياز ما بين فضائح تكشف شراء بعض الجهات للدور الأممي، كما حدث بليبيا، وما بين الدور المعلن من الأمم المتحدة بتبني موقف طرف على حساب الربيع العربي، كما حدث في سوريا.

وظهر الانحياز الأممي بشكل واضح في التسريبات التي خرجت للنور عن طريق جريدة نيويورك تايمز الأمريكية نوفمبر الماضي، وكشفت التسريبات تقديم الإمارات لرشاوى لمسؤولين كبار في الأمم المتحدة، بينهم المبعوث الأممي الأسبق لليبيا برنارد ليون، والذي أكد قيام المسؤول الأممي بدعم بعض الفصائل وانحرافه عن دوره.

وأضافت الجريدة الأمريكية أنه بينما كان الوسيط الأممي ليون يستكمل إعداد اتفاقية مقترحة لإحلال السلام بين الطرفين، بما يمهد لتشكيل حكومة وحدة وطنية، كان الإماراتيون بصدد توظيف السيد ليون كمدير عام لأكاديمية الإمارات الدبلوماسية براتب شهري قدره خمسين ألف دولار، مما يمكن أن يعتبر تعارضًا.

وسبق الفضيحة الأممية في ليبيا بأشهر فضحية أخرى في اليمن، حيث قامت الأمم المتحدة بالإعلان عن تقديم جمال بن عمر لاستقالته في أبريل الماضي، عقب تكرار اتهامات خليجية ويمنية له بأنه “منحاز” لطرف في الأزمة اليمنية، رغم قوله علنًا دائمًا: “إن جهوده تستند إلى المبادرة الخليجية”.

واعتبرت دول الخليج في شكوى تم تقديمها للأمين العام للأمم المتحدة “بان كي مون” ضد “بن عمر”، أن كل جولات المفاوضات وجهوده التي يقوم بها، هي بمثابة “شرعنة” للانقلابيين، مشيرين لمساواته بين الانقلاب والشرعية، وليس فقط تعزيز هيمنة الحوثيين، بل ما تردد حينها من “وعد من بن عمر لأحمد علي عبد الله صالح بقيادة البلاد.

وعلى الرغم من تغيير المبعوث الأممي في اليمن واستبداله بالموريتاني إسماعيل ولد الشيخ، إلا أن الاتهامات نفسها ظلت تلاحق المبعوث الجديد، ودعم تلك الاتهامات التكريم الأخير لولد الشيخ من قبل المتمردين الحوثيين، والذي انتقده المراقبون، مشيرين إلى أنه مخالفة للنظام الأساسي للأمم المتحدة، ودليل على انحيازه ضد الشرعية في اليمن.

وفي سوريا كان الانحياز الأممي واضحًا جدًا في تحركات ستيافن دي ميستورا المبعوث الأممي لسوريا، والذي ظهر في الفضيحة التي نقلها الموقع البريطاني “ميدل إيست آي”، حول تدخل النظام السوري في التقارير الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة في دمشق، وتلاعبه في صياغتها، مضيفًا أن المكتب خضع مؤخرًا لتدخل من النظام، وحذف كلمة “محاصرة” عند الحديث عن “مضايا”، واضعًا بدلًا منها كلمة “يصعب الوصول إليها”. فيما تواصلت الاتهام للمبعوث الأممي دي ميستورا، حيث اتهمه مراقبون وأطراف بالمعارضة السورية، بالانحياز إلى الخطة الأمريكية الروسية للحل في سوريا، ولم ينفذ بعد إجراءات بناء الثقة أو بنود القرار 2254.

2 – عدم جدية أطراف الصراع

يعد السبب الأبرز لفشل المفاوضات الأممية، هو دخول أطراف الصراع للتفاوض بهدف كسب المزيد من الوقت، أو توجيه رسائل إعلامية للعالم بأنهم يسعون للحل، دون جدية حقيقية وسعي حقيقي للوصول لحل.

وتعد مفاوضات السلام اليمنية التي جرت في ديسمبر الماضي، من أبرز الدلائل على ذلك، ففي الوقت الذي وافق فيه الحوثيون على الدخول للتفاوض على أساس القرار 2216، ووفق شروط أغلبها إنساني تتعلق بفك حصار تعز وهدنة إنسانية والإفراج عن المعتقلين، إلا أن إفشال المفاوضات قبل بدأها وعدم الالتزام بأي من شروطها ورفضهم للقرار الأممي، أثبت- وفقًا لمراقبين- عدم جديتهم.

وفي سوريا أيضًا تكررت الأزمة، حيث أشار مراقبون إلى أن روسيا والنظام السوري لا ترون في المفاوضات إلا محطة من محطات حماية النظام السوري وشراء الوقت. وظهر ذلك واضحًا في القصف الروسي وتعميق الأزمة الإنسانية في حلب، بالتزامن مع بدء التفاوض مع الأطراف المتصارعة بسوريا بجنيف 3، وفي مخالفة للتفاهمات السابقة للمفاوضات، وفي إفشال واصح له.

3 و4 – الصراعات على النفوذ بالمنطقة

تعد الصراعات بين الدول الكبرى وبعضها وبين القوى الإقليمية على النفوذ في المنطقة، من أبرز مسببات فشل أي مفاوضات سلام ترعاها الأمم المتحدة في جنيف، خاصة أن المفاوضين أو المبعوثين الأمميين أصبحوا يحملون أجندات معينة يسعون لتحقيقها على حساب الأطراف الأخرى.

ففي الأزمة السورية، كان للنفوذ الروسي تأثيره على المبعوث الأممي واختيار الوفود المعارضة المشاركة في المفاوضات، إضافة إلى التواطؤ الأمريكي مع روسيا ومخططها لمد أمد الأزمة بهدف تقسيم الكعكة بينهما، كما تأثرت الأزمة بالصراع الدائر بين السعودية وإيران كأكبر قوتين في المنطقة، خاصة في ظل قطع العلاقات الدبلوماسية بينهما.

وفي ليبيا كان النفوذ الإماراتي محركًا أيضًا للمبعوث الأممي السابق، والذي انحاز لطرف على حساب طرف، وأدى ذلك لإطالة أمد النزاع وعدم التوصل لحل، وفي اليمن نقل المراقبون تأثير النفوذ الإيراني على وفد الحوثي وحليفهم المخلوع صالح، مشيرين إلى أن إيران هي من تفاوض وتحرك وفد الحوثي وصالح كيفما تشاء.

5 – غياب الضمانات الدولية لتنفيذ التفاهمات السابقة للمحادثات

تبدأ المحادثات عادة في جنيف بعد تفاهمات عدة تقوم بها الأمم المتحدة مع أطراف الصراع، وهي التفاهمات التي غالبًا ما تفشل في الاستمرار، مما يسرع في فشل أي محاولة للتوصل لحل للأزمات المختلفة.

ففي اليمن لم يتمكن أطراف المفاوضات من الحفاظ على أي شكل للهدنة الإنسانية المتفق عليها، خلال جولات الحوار الثلاث، كما لم تستطع الأمم المتحدة إلزام الحوثيون بالإفراج عن المعتقلين أو فك حصار المناطق المحاصرة، رغم توصلها لتفاهمات سابقة معهم بشأنها، وهو ما تكرر في الأزمة السورية، حيث فشلت الأمم المتحدة في إلزام النظام السوري بتطبيق القرار 2254.

تم النشر بموقع شؤون خليجية

بتاريخ 4-2-2016