
“أن ترى أن تتكلم أن تفك قيودك” جرائم يعاقب عليها المختفي قسرًا
قضاء الحاجة بموعد ولا تتجاوز المرتين يوميًا
الصعق والتغمية والتكتيف والأبر من أبرز وسائل التعذيب
· أحد المعتقلين : سجدت شكرًا ليس فرحًا بالحرية، ولكن لأنى سانتقل لسجن أبصر فيه
ابنة أحد المختفين : طرقنا كل الأبواب ولا مجيب
· منسق رابطة أسر المختفين: آباء وأمهات ماتوا حزنًا على أولادهم ومصيرهم المجهول
الداخلية: لا يوجد اختفاء قسري في مصر
حافظ أبو سعدة: الاختفاء القسري جريمة دولية يتم استغلالها ضد مصر
تحقيق : هدى التوابتي
أصبحت قضايا الاخفاء القسري من الأمور المعتادة في مصر، فكل يوم تعلن أسرة ما أو أكثر أن لها مفقودًا انضم لآخرين لا تعلم مصيره، هي فقط تعلم أن قوات الأمن اصطحبته من مقر عمله أو من منزله ، أو حتى من قطار ما اثناء سفره، بدعوى التحقيق أو القبض عليه، ثم يختفي أثره فلا الأجهزة الأمنية، ولا أي طرف آخر تعترف بوجوده لديها ولا يعرف أي شخص هل مازال المختفي حيًا أم ميتًا. .
وتختلف مدة الاختفاء وما يتعرض له المختفي قسرًا في السجون، فأحيانًا تقتصر المدة على أيام قليلة، وأخرى تمتد لسنوات لا تنتهي، ومن يخرج سريعًا يواجه الكثير التهم، التي أجبر على الاعتراف بها تجعله يقضي عمر آخر في السجون وكأن اختفاءه وما تعرض له لا ينتهي.
وفي سياق محاولتنا لاكتشاف رحلة الإخفاء القسري ، نقلنا عدة شهادات لمعتقلين سابقين تعرضوا لتلك التجربة ، بالإضافة لأسر مختفين نقلوا لنا معاناتهم لمعرفة مصير ابنائهم، خاصة مع اختفائهم لثلاث سنوات وربما أكثر من ذلك.
مصر الأولى عربيًا
وثقت التنسيقية العربية لحقوق الإنسان في تقرير لها أكثر من 1001 حالة اختفاء قسري في النصف الأول من عام ٢٠١٦ بمعدل خمس حالات يوميًا، فيما اصدرت الأمم المتحدة تقريرًا أشارت فيه ان مصر هى الدولة الأولى عربياً من حيث عدد حالات الإختفاء القسرى.
وعلى الرغم من الأرقام المختلف حول دقتها، وغياب التوثيق الرسمي، ومحاولات اخفاء حقيقة الوضع لحقيقة الوضع إلا أن الأرقام مهما ارتفعت لن تنقل واقع تلك المعاناة المشتركة، للمختفي ولأسرته.
بداية رحلة الاختفاء:
ألتقينا م.م ، معتقل مصري سابق تعرض لتجربة الاختفاء القسري، طلب عدم نشر اسمه بسبب الظروف الأمنية،والذي حرص على نقل ما تعرض له منذ اعتقاله من ثم اختفائه وحتى الإفراج عنه.
اختطف م.م من منزله أواخر شعبان، وتحديدًا في الثالثه فجرًا يقول: استيقظنا على أصوات طرق شديدة على أبواب المنزل، وبعدها امتلأ المنزل بأشخاص ملثمين بأقنعة سوداء، ومدججين بالسلاح باستثناء ثلاث أفراد فقط كانوا يرتدون الزي المدني قاموا بتفتيش المنزل ونهب محتوياته خاصة الأجهزة الكترونية كاللاب توب والهاتف المحمول”.
بدأت رحلة اختفاء م.م في اللحظة التي اقتاده فيها زائروا الفجر، حيث قاموا بتغطية عينيه بقطعة قماش، وتوثيق يديه، يقول “استطيع القول أنني هنا بدأت رحلة الاخفاء القسري” .
يوصل م.م”صعدت للسيارة وأنا مغطى العينين، وبدأت تخمينات الرحلة هل أنا فى مدرعة.. بوكس مكروباص ..هل بجوارى معتقلين آخرين، ومع تحرك السيارة بدأت مرحلة أخرى من التوقعات حيث خمنت أن السيارة فى منطقة بوسط البلد، ولكنى لم أتخيل أنني ذاهب إلى قلب الجحيم “.
وتابع” مع الخطوات الأخيرة للسيارة وقبل توقفها تأكدت أننا في منطقة بها حراسات، لكثرة المطبات الحديددية التي لا يخطئها أحد وبعدها سمعت سائق السيارة يفتح الزجاج و يقول لأحد ما بالخارج (تبع الأمن الوطني.
ويكشف م.م استراتيجة التعامل معه عقب نزوله من السيارة، حيث سعى مرافقوه لإفقاده الإحساس بالاتجاهات، بهدف يقول”ترجلت فى مكان مفتوح، وقام مرافقي بجعلي أدور حول نفسي عدة مرات، ثم صعدنا سلالم ونزلتها وصعدتها ودخلنا مبنى ما ثم إلى المصعد الذي توقف فى الدور الثالث”.
وواصل م.م “بعد ذلك تم تسليمي لأفراد أمن آخرين عقب تقييدي، وتم وضعي أنا ومن معى فى مكان يرتفع عن الأرض نحو نصف متر تقريبا بحيث يكون وقوفنا غير مريح وقضيت يومى كله على هذا الوضع”.
المحرمات الثلاث ” الكلام والرؤية وفك القيد” :
وفي تلك المرحلة يشير م.م إلى تعرفه على المحرمات الثلاث التي تطبق على كافة المختفين قسرًا، حيث يتم تحريم الكلام على المختفي قسرًا، كما يمنع تمامًا فك قيدهم طيلة فترة اختفائهم.
أما الأمر المحرم الثالث وفقًا لـ”م .م ” هو منعهم من رفع الغطاء من على أعينهم تمامًا إلا في حالة الذهاب لدورة المياه والمحددة بمرتين فقط خلال اليوم حيث يُرفع بعد دخولك دورة المياه، فتغتسل أو تقضي حاجتك او تتوضأ ، وتعيد وضع الغطاء الخاص بك حتى إذا فتحت الباب كنت كما دخلته لا ترى أي شيء “.
جحيم لاظوغلي :
ويشير م.م إلى اكتشافه أن مقر احتجازه هو مبنى وزارة الداخلية والمعروف بمقبرة المختفين قسرًا “لاظوغلي” قائلًا :” اكتشفت أين يتم احتجازي أثناء اختلاسي لحوار مع أحد المعتقلين في دورة المياه، وجدت من بجواري يسألنى خلسه “انت لسه جاي النهارده” فأجبته :” بنعم وسألته عن المكان الذى نحن فيه، فأجابنى “لاظوغلي” منبها على بكتمان معرفتى للمكان حتى لا اتعرض للعقاب”.
وتابع قائلًا أن كلمة “لاظوغلي” كانت كفيلة بأن توصله لحالة من عدم الأتزان، لدرجة أنه كاد أن يغشى عليه لهول وقعها، مضيفًا أن محدثه طمئنه قائلاً” لا تقلق عندما تأتى معنا إلى الحجرة ستسريح ولكن لا تكذب عليهم فى التحقيقات” فشككت فى امره.
بدأت مرحلة التحقيقات وفقًا لـ م.م عقب يومين من اعتقاله، إلا أنها بدأت مع اثنين تم اعتقالهم في نفس الوقت معه أحدهم شقيقه، والآخر صديق لهما، في حين ظل هو ثلاثة أيام دون التحقيق معه، وفي اليوم الحادي عشر من الاختفاء تم استدعائه، هو ورفيقيه حيث خاطبهم الضابط قائلًا ” “مبروك أنتم مروحين”.
تعذيب بدني ومعنوي لا يتوقف:
وحول وضعه خلال فترة الاختفاء، وما تعرض له من تعذيب واساءات يقول م.م “كان احتجازى فى غرفة يبدو أنها كانت مكتب ضابط وذلك لوجود سجاد، وأجهزة تكييف داخلها، وكان معى فيها 16 مختفي أكبر مدة قضاها أحدهم في ذلك المكان كانت خمسون يومًا “.
كانت تتوالى علينا حراسة 24 ساعة مقسمة على ورديتين وظيفتهم مراقبتنا حتى لا نتكلم، أو نرفع غطاء العين، ويقومون بإحضار الطعام لنا، فيما يقوم بحراستنا أمين شرطة بأمن الدولة، ذو مواصفات خاصة تكاد تنطبق على جميع الحراس المكلفين بحراسة المختفين قسرًا”.
وواصل :” عمليات الإذلال والتعذيب لم تقتصر على التغمية والإهانات اللفظية، بل ذلك أقل ما تعرضنا له، فهناك التكتيف الخلفي، والصعق الكهربائي باستخدام “الإلكتريك”، و”التزنيب “ورفع اليدين لساعات، والتعليق الذي كان كفيلًا بترك آلام في عظامك لشهور”.
أما أشد أنواع التعذيب التي يتعرض لها المختفون وفقًا لـ م.م فهي غرس إبر فى أنحاء الجسد لتخرج من الجهة المقابلة فمثلا يدخل الإبرة فى حلمة الصدر تخرج من الإتجاه الآخر مما تسبب ألم شديد”.
بالإضافة للتعذيب البدني، كان التعذيب المعنوي أشد قسوة، فالعزلة وانقطاع الأخبار عنهم وفقًا لـ م.م جعلتهم يشعرون بأنهم في عداد الموتى .
ويضيف م.م أن الوسيلة الوحيدة التي كانت تتيح لبعض المختفين قسرًا طمئنة أهاليهم هي في حال عرض أحدهم على النيابة، فيذكر للمحامين اسماء من معه بالداخل، ليقوم المحامون بالبحث عن الأهل والتواصل معهم, لافتًا إلى أن ذلك كان يعني تعذيب شديد لمن يتم ذكر اسمه ومعرفة مصيره إلا أنها كانت الوسيلة الوحيدة أمامهم.
ولفت إلى أن اخفاء المعتقلين، وما تعرضوا له من منع لأبسط الحقوق الإنسانية كان له عدة آثار على المعتقلين أبسطها ” انتشار الأمراض الجلدية والحكة نتيجة الجرب المنتشر بين المعتقلين نتيجة للعرق الذي ينهش الجلد، وعدم توفر أي وسيلة للنظافة، وارتداء ملابس واحدة طيلة فترة الاخفاء”.
عساكر لاظوغلى الأكثر غباءاً
وقام م.م بعقد مقارنة بين أفراد الأمن في أقسام الشرطة التي تم احتجازه بها، وبين أفراد الأمن في لاظوغلي ، واصفًا أمناء الشرطة وعساكر الأمن الوطنى في لاظوغلي بأنهم الأكثر غباءاً، معللًا ذلك بأنه كان يتم اختيارهم كما يبدوا بقدرات تفكير محدوده لينفذوا الأوامر دون تفكير، على عكس الأمناء فى الأقسام حيث يصفهم بأن قدراتهم تتفوق على الضباط وهم عمود القسم والأسوأ على الإطلاق
القتل البطيء للمختفين :
وكشف م.م إلى أن الأوضاع السيئة داخل لاظوغلي، أدت لوفاة أحد المعتقلين، قائلًا ” خلال اثني عشر يومًا مكثتها هناك جاء إلينا شخصان كان من بينهم م.ع عضو مكتب الارشاد بجماعة الإخوان، وشخص آخر اسمه طارق والذي كان في حالة مرضية سيئة جدًا، وظللنا لثلاثة أيام نسمع أنينه، ثم اختفى صوته حيث علمنا أنه تم نقله للمشفى ، وعرفت لاحقا انه مات فور وصوله للمستشفى بسبب نزيف داخلى”.
ويصف م.م ما تعرض له “طارق” جريمة قتل مكتملة الأركان حيث ظل ملقى لثلاثة أيام في طرقة المبنى، رغم حالته المرضية المزرية، والتي كشف عنها أنينه المستمر، مؤكدًا أن نقله للمشفى جاء عقب إجهاز المرض عليه”..
من الإفراج للاختفاء مرة أخرى :
وعلى الرغم من أن تجربة الاخفاء القسري لـ م.م استمرت لأثنى عشر يومًا وتم ترحيله بعدها لأحد اقسام القاهرة، وعُرض على النيابة وصدر أمر بحبسه لخمسة عشر يومًا حينها إلا أن التجربة تكررت مرة أخرى !.
تحدث م.م عن اختطافه واخفاءه للمرة الثانية عقب صدور أمر بالإفراج عنه، ولكن بدلًا من تنفيذ الأمر تعرض للاختطاف مرة أخرى هو وأخيه ورفيقه، وتم اقتيادهم لجهة غير معلومة، عرف فيما بعد أنها قسم عين شمس، اُحتجزوا خلالها لخمسة أيام، ثم تم تلفيق تهمة جديدة لهم، وتم إرساله مرة أخرى لـ”لاظوغلي”، حيث قال” تكررت العلامات مرة ثانية مطبات حديدية، والسلالم والدور الثالث، والطرقة الدائرية والأربع إتجاهات، ولكن المختلف أن الدورممتلئ بالبشر يصل عددهم لـ115 علمت ذلك من الأرقام التى ينادوا عليها لان لكل مستجد رقم”.
العلاج النفسى
على الرغم من نجاة م م من تلك التجربة إلا أن آثارها لم تفارقه حيث ما زال يعاني نفسيًا وجسديًا، لم يتمكن من النوم في الثلاثة أشهر الأولى التي أعقبت خروجه من المعتقل، عانى من الكوابيس المستمرة لمدة تصل لعام تقريبًا، مشيرًا إلى أن الأمر الذي ساعده على تجاوز تلك المرحلة، هو معاناة ابنه نتيجة مشاهدته ملابسات اعتقاله، مؤكدًا أن كل من مر بتلك التجربة يحتاج لعلاج نفسي.
خمسة أشهر في غياهب الاختفاء :
حاولنا نقل شهادة أخرى لتلك المعاناة، تختلف عن تجربة م.م في أنها تجربة اختفاء بلغت طويلة الأمد اختفى صاحبها نحو خمسة أشهر كاملة، يصف صاحبها نهايتها بأنها كانت بـ”سجدة شكر” ليس فرحًا بالحرية، ولكن ابتهاجًا بالانتقال لسجن ما بعيدًا عن جحيم الاختفاء القسري.
ارتبطت تجربة المهندس م.ع بالاخفاء القسري، باشتراكه بما سُمي بـ”الأعمال النوعية” ، حيث قُبض على رفاقه، ومن ثم تم الإيقاع به رغم حذره الدائم.
بدأ ع.م الحديث عن تجربته قائلًا :” عقب القبض علي نقلتني قوات الأمن في سيارة نقل ركاب “ميكروباص، وأخذوا البينات الخاصة بي،وبعض الأحراز، وقرب الوصول لمبنى الأمن الوطنى فى لاظوغلى ، قاموا بتغطية عيني باسخدام القطعة العلوية من ملابسي الداخلية، وتكتيف يدي خلف ظهري”.
التحقيق والتعذيب :
وواصل “فور وصولى لمبنى أمن الدولة اقتادوني إلى غرفة التحقيقات وبدأت الأسئلة مصحوبة بالتعذيب، مثل إجباري على النوم على بطنى، وقيام العساكر برفع زراعاي المربوطان خلفي لأعلى مما سبب الألم الشديد، وإستخدام الكهرباء”جهاز الإلكتريك”.
في أول أيام التحقيق قام ع.م بسرد قصص وهمية في محاولة لكسب بعض الوقت، إلا أن ما تم ضبطه معه من أحراز أغنت عن أي اعتراف .
وتابع “خرجت من حجرة التحقيق، وتم ايقافي ووجهي للحائط حيث قمت بأداء صلاة العصر بعيني، ولم أدرك كم مر من الساعات على هذا الوضع ، بعدها جاء إلى أمين شرطة فك وثاقي، وأخذنى لدورة المياه مغطى العينين ممنوع من رفع الغطاء إلا داخل دورة المياه”.
وواصل ” ذهبت مرة ثانية للتحقيق فى وصلة من السباب، والضرب نستطيع أن نقول أنها خلفية المشهد، في هذه المرة تحدثت عن علاقتي بالإخوان المسلمين، وقمت بالاعتراف ببعض التهم مع اسقاطها على شخصيات خارج مصر، أو متوفين.
على الرغم من انتهاء تحقيقات اليوم الأول، إلا أنه لم يسمح لـ ع.م بالراحة ولو لساعات حيث اقتيد لمنزله، قائلًا ” اخذوني لمنزلي لاصقين “طبنجة” على رأسي أمام الجيران لتفتيش المنزل، ولكن لم يجدوا شيئًا يذكر في المنزل الذي غادره أهلي قبل وصولنا.
وصف ع.م اليوم الثاني له هناك بأنه يوم هدنة من التحقيق والتعذيب، حيث لم يتم التحقيق معه لعدم حضورالضابط المكلف واكتفوا بالإهانات اللفظية.
عادت التحقيقات في اليوم الثالث وفقًا لـ ع.م لافتًا إلى أنه تم استخدام أسلوب الضابط الطيب معه، حيث كان الضابط المكلف بالتحقيق يركز على الجانب العاطفي، والنفسي قائلًا ” كان يذكرني ببناتى ووظيفتى ، وينتقل للتهديد أنه سيجعلنى اشم رائحة جسدى، وتركنى خارج الغرفة عشرة دقائق للتفكير ،عدت بعدها اعترفت بالأسماء الحركية، واعترفت بتهمتى ، وأن دافعى لها ما رأيته من نساء تغتصب، ورجال تقتل وتعتقل بأى ذنب، ولم أجد غير هذه الوسيلة لردع الظلم”.
“التخزين”: 120 يومًا ممنوعون من كل شيء
أشار ع.م إلى أن مرحلة التعذيب البدني انتهت هنا، حيث كان أقل الحالات تعرضًا للتعذيب على حد قوله، وبدأت مرحلة جديدة ” بعد 27 يوم من إعتقالى بدأت مرحلة التخزين وظللت بها 120 يومًا “.
وأوضح المقصود بالتخزين قائلًا:” “مرحلة التخزين هي أن تظل ملقى على الأرض، مربوط العينين، لا تتكلم إلا همسًا، تُعاقب على أقل حركة حتى ولو سقطت دون قصد منك، تفقد الأمل في كل شيء”.
ويرى ع.م أن تلك المرحلة هي الأصعب معللًا ذلك: “لأنك سجين نفسك تراودك كل الذكريات، وتتصارع معها، ولكن ظهر جانب مضئ خلال ذلك الوقت، وهو مراجعة القرآن الكريم وجدت صعوبة فى مراجعته غيبًا إلا أن أمناء الشرطة فى بعض الأوقات كانوا يفتحون التلفاز على قناة القرآن الكريم ، وإذا جاء سجين جديد حديث عهد بالقرآن اسمع منه وهكذا ” لافتًا إلى أن أي ارتفاع لصوته خلال فترة التخزين كان يُقابل بالإهانة.
وتابع” كنا نستخدم دورة المياه خلال التخزين بموعد محدد، ونسير في طوابير كل منا يضع يده على كتف من أمامه لا يحق لنا الاغتسال إلا بإذن ، وإذا خالفنا أي من تلك الشروط نتعرض لعقوبة شديدة”.
قادوني كالبهيمة لدورة المياه
نقل ع.م موقف اعتبره من أسوأ ما تعرض له خلال اختفاءه، قائلًا ” في أحد الأيام أصبت بآلام شديدة بالمعدة، وكنت فى حاجة للدخول لدورة المياه ، ورفض أمين الشرطة السماح لي بالذهاب، وعقب محايلات وتوسل، جذبنى كالبهائم إلى دورة الميه مرفقًا ذلك بالسب والإهانة، وهنا لم تتحمل نفسى وتساقطت دموعى، وظللت أردد “ربى إنى مسنى الضر وأنت أرحم الراحمين”.
وواصل “خلال تلك الفترة حرمت من نور عيني لأشهر، وأنا أبصر، كنا ممنوعين من الرؤية، وحُرمنا من صلاة الجماعة حتى في رمضان، وصلاة العيد، وكنا ننام على الأحذية وزجاجات المياه بدلًا من الوسائد والمراتب”.
وأضاف:” مع مرور الوقت تحسن وضعي لأنني مسجون قديم لا يريدون منى شىء غير اخفائي ، وغيروا لى غطاء عيني، وأعطونى غطاء أقل ثقلًا مكنني من رؤية بعض النور، إلا أن الشعور الدائم بأنني منسي لدى أهلي واصدقائي ومن حولي لم يفارقني خلال تلك الفترة”.
الفرج بالنقل للمعتقل :
“وجاء الفرج” بتلك الكلمات يختتم ع.م قصته التي استمرت لخمسة أشهر كاملة حيث سمع اسمه للعرض على النيابة، “هنا سجدت سجدة شكر، ليس فرحًا بالحرية، ولكن لأنى سانتقل لسجن أبصر فيه، ويتحسن وضعي، ولكن عدت بخيبات الأمل مرة ثانية لمبنى أمن الدولة “.
وعقب عرض ع.م على النيابة بعشرة أيام، تم نقله مرة أخرى للعرض على النيابة ، وسمح له بالاتصال بذويه، ويصف احساسه عن المكالمة الأولى: “عند سماع صوت أخى انفجرت فى بكاء مخزن طيلة رحلة الإختفاء، وبعدها انتقلت للسجن، وكانت تلك بداية ظهورى لأهلى يوم 9-9 عقب اختفاء مدته خمس شهور”.
معاناة البحث
لا تقتصر معاناة المختفي على ما يواجهه من عزلة وتعذيب ، فعلى الجانب الآخر هناك معاناة أسرة كاملة لا تدرك وضع فقيدها هل بين الأموات أم الأحياء تتلهف لسماع أي خبر، تبحث عن أبسط الحقوق الإنسانية.
أسرة مدير مستشفى القنايات تطرق كل الأبواب دون استجابة
نقلت لنا رفيدة اسماعيل، نجلة استشاري الجراحة العامة والأورام والحروق ومدير مستشفى القنايات المركزي، محمد السيد اسماعيل ، جزءًا من تلك المعاناة في إطار سعي أسرتها لكشف مصير والدهم المختفي منذ عام 2013.
وتعود قصة اختطاف الدكتور محمد اسماعيل، 58 عامًا، باختطافه من أمام منزله بالزقازيق بواسطة أفراد امن بزى مدنى، وأمام مرأى من بناته وجيرانه يوم 24 أغسطس 2013.
بدأت رفيدة نقل قصة البحث قائلة “ماوجدنا طريق ولامكان يهتم بحالات الاختفاء القسرى إلا وتواصلنا معه ، وحتى هذا اليوم لا نعلم عنه أي شيء ، غير مقيد فى أى أوراق رسمية، ويرفض الأمن الاعتراف باعتقاله
:وتشير “رفيدة” إلى أن الخبر الوحيد الذي وصلهم عن والدها منذ اختطافه، وحتى اليوم، كان من معتقلين سابقين، قائلة “علمنا أن أبى بمقر من مقرات احتجاز الأمن السرية، وتحديدًا سجن العزولي، حيث أكد لنا بعض الأشخاص الذي احتجزوا هناك، انهم رأوه في هذا المكان الأقرب للمقبرة”.
ولفتت رفيدة إلى أن قوات الأمن أعلنت اعتقال والدها بعد مرور أكثر من عام على اختفائه، ونُشر خبر يفيد باعتقاله في جريدة التحرير المصرية، ثم انكرت الجهات الأمنية اعتقاله، وحُذف الخبر من الجريدة .
أما عن التحركات القانونية التي قامت بها أسرة الطبيب اسماعيل تقول نجلته “بعثنا تليجرافات للنائب العام، وقائد الجيش الميدانى، ووزارة العدل، ووزارة الداخلية، ولجنة حقوق الانسان، والمجلس القومى لحقوق الانسان ولم يتجاوب معنا أحد “.
وأكدت رفيدة أنهم، وبشكل يومي يطرقون أبواب المؤسسات الحكومية، لافتة إلى حصولهم على حكم بتاريخ ١٧/٥/٢٠١٦ يلزم وزارة الداخلية بالإفصاح عن مكان إختفاءه، ولم يتم الاستجابة للحكم.
وأشارت إلى أن تقرير المجلس القومي لحقوق الإنسان الصادر عام ٢٠١٦ عن المختفين قسرًا اعترف بوجود عدد من المختفين على ذمة قضايا من بينهم الطبيب محمد اسماعيل حيث ورد اسمه مكتوبًا أمامه” لم يذكر وجوده على ذمة قضية” .
واشارت رفيدة أنهم تواصلوا مع العديد من المنظمات الحقوقية ، دون أي تجاوب معهم باستثناء التنسيقية المصرية لحقوق الإنسان والتي استطاعت الحصول على حكم مؤخرًا بإلزام الداخلية بإظهار مكان الدكتور محمد إلا أن النيابة طعنت على الحكم.
مرفق صورة الحكم
آباء وأمهات توفوا حزنًا على أولادهم
وحول ما يتعرض له أسر المختفين من ضغط نفسي وأمني، قال منسق رابطة أسر المختفين قسرًا إبراهيم متولي الذي حاول نقل صورة عن هذا الوضع، ” كيف تنام الأم أو الزوجة وجزء من الأسرة في مكان مجهول، ومصير مجهول، يتوقع الجميع عودته جثة هامدة، الأسر تعيش مأساة فعلًا زوجات وأمهات وأطفال”.
وتابع “الأطفال كبروا ولا يعرفون أين آبائهم، آخرون تزوجوا في غياب الأب ، وآباء وأمهات توفوا من الحزن على أولادهم ومصيرهم المجهول”.
وأضاف منسق رابطة أسر المختفين ” أهالي المختفين في حالة نفسية سيئة لغياب أولادهم، خاصة من يصلك خبر أن ابناءهم في سجن العزولي، لما يرافقه من سمعة سيئة”.
يذكر أن قوات الأمن قامت باعتقال واخفاء متولي بعد عام من حديثه معنا وذلك اثناء توجهه من مطار القاهرة لجنيه لتلبية الدعوة الموجهة له من الفريق المعني بحالات الاختفاء القسري بالأمم المتحدة لحضور وقائع دورته رقم ١١٣ بمدينة جنيف.
ثلاث سنوات من البحث وانكار النظام رغم الشهود
جاءت كلمات “متولي” لتصف حاله أيضًا ، فهو أب لشاب مختفي قسرًا منذ أحداث الحرس الجمهوري التي سبقت فض رابعة، والتي قال عن ملابسات اختفائه: “عمرو ابراهيم متولي مواليد 1 يوليو 1991 طالب بنهائي هندسة ، كان متواجدًا بشكل عارض بشارع الطيران بمدينة نصر يوم 8/7/2013 لأنه يدرس في القاهرة ، انقطع الاتصال به حوالي الساعة الثامنة صباحا عقب انتهاء أحداث الحرس الجمهوري ، وفي آخر اتصال به كان متواجدًا بعيدًا عن مكان الاحتكاك”.
ويشير “متولي” إلى أنه بحث عن عمرو بين المعتقلين والمصابين، وحتى بين جثث الشهداء، دون جدوى مضيفًا ” تقدمنا بشكوي لنيابة مصر الجديدة، وشكوي للنائب العام ، وفي تلك الأثناء جاء إلينا أحد اصدقاءه، وأخبرنا أنه كان محتجزا مع عمرو بمكان سري قريب من ميدان رابعة، وأُخلي سبيله بعد أربعة أيام دون عرضه علي النيابة بينما بقي عمرو رهن الاحتجاز”.
وتابع ” أخبرنا أيضًا أحد اصدقاء عمرو، ومن جيراننا من البلد، أنه شاهد القوات ، وهي تقوم بالقبض عليه من شارع الطيران ، وتم تقديم شكوي جديدة، و سماع أقوال الشهود دون جدوي رغم أن جريمة الاختفاء القسري صارت ثابته بأقوال الشهود”.
المنظمات تتعاطف والنظام لا يستجيب
وواصل ” اضطررت لرفع دعوي ضد النائب العام السابق هشام بركات لعدم اتخاذه الإجراءات القانونية اللازمة ، ومحكمة استناف القاهرت رفضتها، وتم الطعن عليها امام محكمة النقض ولازال الطعن أمامها”.
وأكد “متولي” أنه وصلت إليه أخبار من عدة مصادر عن تواجد نجله عمرو في سجن وادي النطرون، مضيفًا ” كانت سعادتنا غامرة بأننا سنلتقي به إلا أن السجن أنكر وجوده، وعلمنا بعد ذلك أنه تم نقله مع آخرين إلى سجن العزولي العسكري بالإسماعيلية”.
وأشار متولي إلى أن أسر المختفون قسرًا تتردد بشكل دائم على المجلس القومي لحقوق الإنسان والمنظمات الحقوقية ، مضيفًا “المنظمات تتعاطف مع القضية ولكن النظام لايستجيب لأحد”.
وحول المنظمات الدولية وتفاعلها مع القضية أكد “متولي” أن معظم الأسر أرسلت شكاوي لمجلس حقوق الانسان التابع للأمم المتحدة الذي يخاطب الحكومة المصرية، ليتم بعدها اظهار بعض الأشخاص علي ذمة قضايا بعد تعذيبهم للاعتراف بالجرم، مضيفًا ” ومعظم الحالات القديمة لم يتم إجلاء مصيرهم حتى الآن”.
وأكد منسق رابطة أسر المختفين أن الظهور الحقيقي للإخفاء القسري في مصر كان بعد 3 يوليو، عقب الانقلاب العسكري.
وحول عدد المختفين قسرًا في مصر قال أنه لايوجد حصر دقيق لدي المنظمات الحقوقية،لأن بعض الأسر تخشى الإبلاغ عن اختفاء ذويها بالإضافة لاعتقاد البعض بوفاتهم، ولكن بعض المنظات استطاعت رصد أكثر من ثلاثة آلاف حالة اختفاء حتي أغسطس 2016، ظهر معظمهم وأما من لم يظهر فعددهم يتخطى الـ٥٠٠ حالة “.
محمد خضر.. حي أم ميت !
على الرغم من أن بعض حالات الاختفاء في مصر يصل أصحابها لخيط ما أو رابط ما حتى لو كان هذا الرابط معتقل سابق يؤكد وجود المختفي على قيد الحياة، إلا أن حالة محمد خضر طالب الهندسة تعد من أصعب الحالات التي يمكن أن تقابلها.
حيث تكشف قصته أنه لا يوجد شاهد يضعه في خانة الشهداء ولا شواهد تعطي أملًا ما أنه بين الأحياء، وما بين الأملين ترفض الجهات الأمنية إعطاء أي معلومة حول مصيره.
بدأت قصة اختفاء محمد اثناء اعتصامه في رابعة، وفقًا لوالدته حيث قالت أنه ” يوم المحرقة كان يجلس بجوار طيبة مول، وشاهده أصدقاءه ملقًا على الأرض في وضعية الجلوس بجانب حائط المول، والقيت قنبله مسيله للدموع بجواره، بعدها لم يجدوا محمد وكانت الجرافات موجوده فى هذا الوقت”.
وواصلت ” في الشهور التاليه للفض اتصل بنا زميل له فى الكلية، وقال إن اثنين من اصدقائ خضر أخبروه انهم شاهدوا اسم محمد خضر فى استقبال مستشفى اليوم الواحد عند بحثهم عن أقاربهم هناك، وكان الإسم مكتوب بخط اليد، ولما ذهبنا الى المستشفى عرضوا علينا كشف مكتوب بالكمبيوتر، وانكروا تماما وجود كشف آخر”.
ولفتت أم محمد خضر أن من أبلغوهم بوجود اسم نجلهم محمد في قائمة المشفى لا يربطهم أي صلة ببعض، سوى مشاهدتهم في وقت متفرق لاسم طالب الهندسة المختفي.
وردًا على سؤالنا هل كان اسم محمد في قائمة المرضى أم المتوفين أكدت أنه تم اخبارهم أن الاسم كان بكشف الاستقبال دون أي تفاصيل أخرى.
أما عن دعم وتعاون المنظمات الحقوقية والرسمية فقالت ” الجهات الرسمية لا تعطي أي ردود، والدعم يأتي من بعض المنظمات المعنيه بالحقوق والحريات متمثل فى رفع قضيه او عقد مؤتمر ، وأوراق أولادنا ذهبت للأمم المتحدة وطلبوا ايضاح من الحكومه المصرية، ولم نحصل على أية إجابة”.
الداخلية: لا يوجد اخفاء قسري في مصر
في المقابل، تنفي وزارة الداخلية وجود أي حالات اختفاء قسري في مصر، وتتهم جماعة الإخوان المسلمين بترويج إشاعات حول الاختفاء القسري للتشويش على المجتمع والدولة، جاء ذلك على لسان اللواء علي عبدالمولى، مساعد وزير الداخلية، في كلمته خلال اجتماع لجنة حقوق الإنسان في البرلمان، أغسطس الماضي، وقال :” أن عهد الاعتقالات في مصر انتهى بصدور حكم المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية المواد المنظمة لهذا الأمر”.
وأضاف ” أيه الي يخليني ألجأ لوسائل باطلة اجرائيًا، ولا أستطيع تحمل نتائجها، في حين أن هناك قنوات شرعية وتعاونا كاملا مع جهات النيابة العامة”.
وحول الاختفاء القسري في مصر اتهم جماعة الإخوان بالترويج لوجودها من خارج مصر في إطار التشويش على المجتمع مؤكدًا أن جميع الشكاوى التي تقدم في هذا الموضوع يتم فحصها بشكل موضوعي.
وعلى الرغم من نفس مساعد وزير الداخلية وجود حالات اختفاء قسري في مصر، إلا أن حافظ أبو سعدة، عضو المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، اتهم وزارة الداخلية بعدم التعاون في عدة ملفات إلا مؤكدًا حاجتها لتطوير آليات التعاون مع المنظمات الحقوقية.
وأضاف أن الاختفاء القسري هي جريمة دولية يتم استغلالها في الخارج حاليًا لتشويه سمعة مصر
الاختفاء القسري تحول لظاهرة في مصر
في المقابل قال عزت غنيم، المدير التنفيذي للتنسيقية المصرية للحقوق والحريات، الاختفاء القسري في مصر بأنه تحول لظاهرة فعلية خلال السنوات الثلاث الأخيرة، مشيرًا لتعرض الآلاف من المواطنين للاختفاء، وما يترتب عليه ذلك من تعذيب وتلفيق واتهامات، وأخيرًا تصفية جسدية.
وأضاف في تصريح خاص أن الأمر الآن أصبح يستدعي تضامن مجتمعي قوي لوقف هذه الظاهرة، وما يترتب عليها.
وحول جهود الجهات الحقوقية مع أسر المختفين قسرًا قال:” وجهنا الأسر مع بداية الظاهرة لفكرة التلغرافات لتوثيق اعتقال ابنائهم ليكون دليلًا أمام جهات التحقيق، ولكن الآن أصبح دليلًا يثبت أن الشخص الذي تم تصفيته كان في يد قوات الأمن، كما قمنا برفع الكثير من القضايا أمام القضاء الإداري باسم أسر المختفين لنلزم الجهات المسؤولة بالإفصاح عن مصيرهم، ولكن الأحكام التي حصلنا عليها لم تنفذ حتى الآن..
وعلل غنيم لجوء الجهات الأمنية للاخفاء القسري بثلاثة أسباب، الأولى أنها فرصة للتعذيب وإجبار المختفين على الاعتراف بعيدًا عن الجهات المخول لها التحقيق، والثاني إرهاب معنوي للمعتقل بعزله عن محيطه، أما الثالث فهو في رأيه رسالة لمعارضي النظام بأننا قادرون على اخفائكم وعزلكم عن الحياة، ولن يعلم أحد مكانكم
نشر التحقيق على موقع إضاءات عام ٢٠١٦ وتم حذفه لتعرض إدارة الموقع لمشاكل أمنية بعد ذلك