
الوضع الحقوقي المصري وصل لقدر غير مسبوق من التردي
النظام توسَّع في قتل المصريين بشكل غير مسبوق
التحركات الحقوقية كان لها تأثير وقتي لصالح حقوق الإنسان
المرأة المصرية في أسوأ أوضاعها على الإطلاق
التوثيق ضرورة كي لا يتم تزوير التاريخ ولحفظ حقوق الضحايا
عودة “التنسيقية” بعد فترة من التجميد جاءت لشعورنا بالمسؤولية
بدون إرادة دولية.. آليات المقاضاة عاجزة عن محاسبة النظام
الطلاب عادوا للعزوف عن الواقع وأصبحوا منشغلين بفرصة للسفر
الوضع في سيناء صندوق مُغلق والنظام يتعامل معها باعتبارها ملفاً أمنياً فقط
المصريون بالخارج مقصرون جداً في التكامل داخل مشاريع وطنية تجمعهم
حوار – هدى التوابتي:
“حقوق الإنسان أصبحت ترفًا لدى المصريين”.. هكذا وصفت الناشطة الحقوقية “هبة حسن” – المدير التنفيذي لـ “التنسيقية المصرية لحقوق الإنسان” – عام ٢٠١٩، وذلك في حوارها مع موقع “الثورة اليوم“ حول حقوق الإنسان في مصر خلال العام الذي أوشك على الانتهاء.
ونقلت “حسن” في حوارها جهود التوثيق وفضح جرائم نظام “عبد الفتاح السيسي”، والتقارير الدولية، وكيف تقف الإرادة السياسية الدولية عائقًا أمام تحسُّن الأوضاع، وكذلك تردّي وضع المرأة في مصر خلال العام الحالي، والتوسُّع في قتل المصريين بالقانون وخارجه، كبيرهم ورئيسهم، ووضع الطلاب، ودور الجمعيات الحقوقية.
وإلى نص الحوار:
كيف تصفين وضع حقوق الإنسان في مصر خلال ٢٠١٩؟ وما هي الجرائم التي شهدت تصاعداً من قِبل نظام “السيسي”؟.
الحقيقة أن الوضع الحقوقي المصري وصل لقدر غير مسبوق من التردّي في كل المساحات، سواء الحقوق السياسية والمدنية أو الاقتصادية والاجتماعية، وصولاً لحق الحياة ذاته، الذي أصبح ترفًا لدى المصريين في الوقت الراهن.
وتُعدّ جريمة التصفية الجسدية خارج إطار القانون – وأحياناً بالقانون وفقاً لمحاكمات تفتقر لكل مقومات العدالة – من أخطر ما توسَّع فيه النظام المصري في ٢٠١٩، حيث وصل عدد حالات القتل خارج القانون بتعدد أشكاله لما يزيد عن ٣٥٠ حالة على الأقل، تَلَا ذلك الاعتقال التعسفي، الذي طَالَ كل شرائح المجتمع، فلم ينجُ منه أحد أيًا كان انتماؤه الفكري، وربما عدم انتماء من الأساس، ولم يعد له أي خطوط حمراء سواء لنساء أو شباب أو كبار سن والأطفال أيضًا

.
شهد عام ٢٠١٩ العديد من التحركات الحقوقية لملاحقة نظام “السيسي” دوليًا، في رأيك ما نتائج تلك التحركات؟ وهل هي كافية لمحاصرة النظام؟.
بالفعل تزايدت محاولات التحركات الحقوقية هذا العام للضغط على النظام دوليًا، وربما كان لبعضها تأثير وقتي سواء لتجميد تنفيذ عقوبة الإعدام لفترة، أو إطلاق سراح بعض المعتقلين، أو السماح لهم ببعض الحقوق كمعتقلين، وصولاً لِمَا ظهر من محاولات النظام تجميل صورته كذبًا بما قام به من تمثيليات زيارات السجون الهزلية في محاولات بائسة للرد.
يُضاف لِمَا سبق محاولاته من خلال وفد رسمي مصري ضخم في الاستعراض الدوري الشامل في نوفمبر الماضي لتزوير الواقع، والحديث عن تطورات الملف الحقوقي، وما ادّعوه من إنصاف للمرأة، وتعديل للقوانين؛ استجابةً للملاحظات في الاستعراض السابق، حيث نقرأ كل هذه المحاولات – بالإضافة للكثير من تصريحات المسؤولين المصريين في المؤتمرات والحضور الدولي بدءاً من “السيسي” نفسه دفاعاً عن أنفسهم – نقرأ كل هذا بأنه مقاومة للحصار وما يُعانونه من فضح لممارساتهم.
نأمل بالطبع لاستمرارية هذه الضغوط لتحقيق تغيير حقيقي، ووقف ما يحدث من انتهاكات، مع تسليمنا بالطبع بصعوبة الأمر، حيث تتداخل الحسابات والمصالح السياسية للدول مع المبادئ والشعارات المعلنة، وهو ما يستغلّه النظام المصري بقوة للاستمرار عبر التواصل والتلويح بكارت الإرهاب والتخويف به، أو مشاكل الهجرة غير الشرعية، وكذلك ما يستخدمه من عقد اتفاقات اقتصادية، وتحالفات تُعطيه دعماً للبقاء.
كحقوقية، كيف تصفين وضع المرأة في ٢٠١٩؟ وهل هناك تغيير عن الأعوام الماضية؟.
وضع المرأة للأسف جزء من الوضع العام المُتردّي، لكنه بالطبع الأسوأ على الإطلاق تقريباً، فلأول مرة نجد هذا الكم من المعتقلات، وبهذه الأوضاع المُتردّية من سيدات فوق السبعين (نجلاء القليوبي)، وفوق الستين مُصابة بجلطة بالقدم مثل: (أستاذة هدى عبد المنعم، وعلا القرضاوي).
يُضاف لما سبق الأمهات المعتقلات، والمحرومات من أولادهنّ، والشابات اللاتي يتزايد عددهنّ، بما في أوضاعهنّ من هدم لمستقبل يُفترض أنهنّ قوامه، وما رسالة “إسراء خالد” التي تحدّثت عن ضياع مستقبلها في سجن تخطّى خمس سنوات ببعيد، مروراً بحالات الاختفاء قسري، أصبحت قاعدة للأسف لسيدات وفتيات لفترات تبدأ من أيام وتصل لما تخطّى العام، وفي بعض الحالات الاختفاء للأم مع أطفال رُضّع.
وتنضمّ معاناة زوجات وأمهات المعتقلين وأسرهم من مهانة وتدهور للقائمة، مرورًا لحال المرأة المصرية بشكل عام، والتي تعاني من الأوضاع الاقتصادية المتردية، والتي تزيد معها نسب المرأة المعيلة، وتزداد حالات التفكك الأسري والطلاق وصولاً للعنف الأسري والانتحار، للأسف واقع المرأة المصرية يزداد سوءاً.
* دأبت الجمعيات الحقوقية على توثيق جرائم النظام خلال السنوات الماضية، فما الذي حقّقته من هذا التوثيق؟ وهل استطاعت الاستفادة منه لصالح حقوق الإنسان خلال ٢٠١٩؟.
الجمعيات الحقوقية تهتم بتوثيق الانتهاكات، وبكل دقة، ويزداد حرصها على ذلك لعدة أسباب:
أولها: ضرورة توثيق وأرشفة هذه الفترة من تاريخ مصر، كجزء من حفظ حق الجميع في معرفة الحقيقة وتقييم المرحلة، وكي لا يتم تزوير التاريخ، وكذلك لحفظ حقوق هؤلاء الضحايا في العدالة، سواء في محاولة حالية لإبراز ما يقوم به النظام من تلفيق القضايا، والحكم على أبرياء بأحكام طويلة، أو بالإعدام إثر ممارسات من الاخفاء والتعذيب لا تخفى على أحد.
كما يتم التوثيق حرصًا على عدالة قادمة نثق في أننا يوماً سنصل إليها، وسيتم محاكمة ومحاسبة كل من ارتكب هذه الجرائم، وتخطّى القانون والحرمات واستغلّ سلطته في ظلم الأبرياء.
والهدف الحالي للتوثيق تحديداً هو فضح هذا النظام وممارساته، واستخدام هذه المعلومات لإيجاد مساحة ضغوط دولية تُجبره على التوقف، ربما نستطيع حماية الضحايا ووقف نزيف الأرواح والأعمار.
قامت “التنسيقية المصرية لحقوق الإنسان” بتعليق نشاطها بسبب استهداف الحقوقيين في مصر في ٢٠١٨، ثم استأنفت أعمالها مرة أخرى هذا العام، فما الذي تغيّر؟ وكيف واجهت هذا الاستهداف؟.
قمنا بالفعل في العام الماضي، وتحديدًا نوفمبر ٢٠١٨ بتعليق عمل المؤسسة؛ إثر حملة ضخمة استهدفت عدداً من أفرادها، والتي كانت ضمن حملة ضخمة مستمرة ومتزايدة لاستهداف المدافعين عن حقوق الإنسان.
واستهدفنا بإعلان التجميد إطلاق صرخة تحذير لخطورة الأوضاع، والتي تمنعنا من أداء دورنا بل وتمنع المحامين أنفسهم من المؤسسة وخارجها من أداء دورهم الذي يُوجبه عليهم القانون.
أما عن العودة فقد جاءت بعد فترة من التجميد، وتحت شعورنا بالمسؤولية التي تلزمنا باستكمال ما اخترناه من طريق، والدفاع عن المظلومين، وعلى رأسهم الزملاء بالمؤسسة، حيث قرّرنا العودة واستكمال عملنا مع الزملاء بالمؤسسات الحقوقية الأخرى مُتحمّلين عبء هذا، ومخاطره التي تتزايد.
وجاءت عودتنا بمحاولة كل منا قدر الإمكان، أن يتم هذا العمل محافظين على الأفراد وفرق العمل، حتى نستطيع استكمال ما بدأناه منذ سنوات.
يمكن القول: إن هذا العام هو عام مقتل الرئيس “محمد مرسي”، كيف تُقيّمين تعاطي الجمعيات الحقوقية مع هذا الحدث؟ وما نتيجة تحركاتها؟.
كان مقتل الدكتور “محمد مرسي” حدثًا غير عادي بالطبع، فما تمّ وما تعرَّض له من انتهاكات ترقى لأن تكون استهدافًا بالقتل المتعمد لم يكن مقبولاً ممارسته بحق أي مصري، فضلاً أن يكون سلوك دولة مع رئيس منتخب ومُعترف به دوليًا أياً كانت مساحة الخلاف السياسي معه من قِبل النظام.
فالنظام المصري برغم ادّعاءاته المتكررة في حصوله رحمه الله على احتياجاته، والرعاية الصحية والعلاج، لم يكن لهذه الادعاءات نصيب من الواقع، وهو المُثبَت من واقع ما صرّح به في الجلسات العلنية، وما تقدّم به محاموه من طلبات لتحسين وضعه، وتوفير العلاج له، بل وما تحدَّث عنه في الجلسات الأخيرة حول شكوكه في تعمُّد تَسميمه.
كان رد فعل المنظمات بعد وفاته – نتيجةً لما تعرّض له – توثيق كل الانتهاكات المُثبتة مسبقًا، وما تقدّم به محامي الأسرة في لندن قبلها بفترة طويلة من بلاغات لإنقاذه، وصولاً لبعض الجهود لرفع قضية بعد وفاته؛ طلبًا لتحقيق محايد في ملابسات الوفاة.
كان كل ذلك محاولة لعدم تمرير ما تعرّض له، والمُطالبة بحقه، بالإضافة لحفظ أرواح الآلاف في السجون المصرية يتعرّضون ربما لأكثر مما تعرّض له، وسط إنكار النظام وتعمّده التدليس في البيانات، أو التعليقات على ما تُوجّهه لهم الجهات الدولية من استفسارات وانتقادات.
ولكن للأسف يظلّ الواقع العام، وآليات المقاضاة الدولية عاجزة عن محاسبة النظام، ما لم تتواجد الإرادة السياسية للمجتمع الدولي – بعد تنحية حسابات المصالح – للانتصار للقيم وشعارات العدالة وحقوق الإنسان.
كيف تصفين الوضع الحقوقي للطلاب في مصر في ٢٠١٩؟ وهل يمكن القول بوجود انفراجة عن السابق؟.
للأسف لا ينفصل واقع الطلاب عن الواقع العام، بل للأسف ربما كانت الضربات المتتالية عبر السنوات الماضية وقوتها هو ما أصاب المجتمع الطلابي وتفاعلاته التي كانت في ذروتها بعد ثورة يناير، وبعد شعورهم أنهم بحق مستقبل الوطن، ومعرفتهم كيف تكون الحرية، وكيف أنهم أساس وركيزة المجتمع.
أ
قول: إنه بعد الضربات التي حطّمت هذه الأحلام، والواقع الذي كانوا قد بدأوا يعيشونه، عاد المجتمع الطلابي ربما للعزوف تمامًا عن الواقع بكل تشابكاته، والانزواء وراء محاولات صناعة فردية لأنفسهم، أو على الأغلب البحث عن سُبل الفرار من الوطن وواقعه، والبحث عن المستقبل خارجه، ليكون حلم كل شاب فرصة دراسة أو عمل بالخارج مهما فقد مقابلها من دفء الأسرة أو مقومات الاستقرار.
ويظلّ الأمل في استعادة الطلاب لمكانهم وروحهم عند توقف النظام الحالي عن تغوّله، ووجود مَن يعي خطورة فقد هذه الشريحة التي تُمثّل مستقبل مصر دون مكابرة.
تُشير التقارير الحقوقية إلى وضع يمكن القول: إنه الأسوأ حقوقيًا في سيناء، إلا أن التوصيات الدولية ضد نظام “السيسي” أغفلت سيناء بشكل كبير، فما السبب؟.
للأسف الوضع في سيناء بقدر ما يُمثّل وضعًا مأساويًا بما يتسرّب من القليل عن واقعه، بقدر ما يظل صندوقًا مغلقًا، المعلوم عنه أقل بكثير مما نتخيّل، حيث كم التعتيم والحصار اللوجيستي والإعلامي لسيناء يمنع من معرفة حقيقة الأوضاع، وقدر الانتهاكات، ومقدار الأرواح المهدرة فيها.
يضاف إلى ما سبق، أن التعامل مع سيناء يتم باعتبارها ملفاً أمنياً فقط من قِبل النظام، واستخدام فزاعة الإرهاب، والجماعات المسلحة، وأمن “إسرائيل” عند كل حديث حولها، يُمثّل عاملًا فارقًا في تعامل المجتمع الدولي مع الملف، أو حتى تعاطيهم معه بشكل أكثر جدّية، فقد استطاع النظام بهذا التناول فرض حصار حول سيناء، يُضعِف حتى التعاطف الإنساني مع سكانها، ومن ضمنهم حتى النساء والأطفال، بتحميل مسؤوليتهم كاملة للجماعات المسلحة، ورغم كون المسؤولية الأولى دستورًا وعقلًا وعُرفًا تقع على الدولة والنظام حتى لحماية الأبرياء، والتعامل الفاعل مع الخارجين عن القانون في حال وجودهم.
ماذا قدَّم أنصار الشرعية في الخارج من دعم للواقعين تحت سيوف السلطة في الداخل؟.
للأسف المصريون عمومًا بالخارج مقصرون جدًا في دورهم تجاه الداخل كوطن وضحايا، سواء معتقلين أو غير معتقلين لكن واقعين تحت سلطة هذا النظام.
ورغم مرور سنوات على الانقلاب، يُفترَض على كل المصريين بمرورها تزايد أدوارهم، وسعيهم لإيجاد حل للواقع المصري المُتردّي، والتكامل داخل مشاريع وطنية تجمعهم، تبني على مكتسبات وطموحات ثورة يناير، والتي كانت تُمثّل بحق بداية انتقال مصر لإحدى الدول ذات الثقل والتأثير، إلا أنهم ما زالوا حتى الآن باستثناء جهود صغيرة متناثرة لم يجدوا أو يُقدّموا حلولاً وجهوداً فاعلة تُغيّر الواقع الذي يزداد سوءاً.
وما زلنا نرجوا بل وندعوا الجميع للخروج من الحالة الحالية إنْ كنا نبحث عن مستقبل مختلف.
تم نشر الحوار بموقع الثورة اليوم هنا