
كتبت_هدى التوابتى
تواصل التقارير الاقتصادية الدولية والخليجية التحذير من المستقبل الاقتصادي لدول الخليج العربي، مؤكدين أن الأزمة النفطية ليست أزمة عابرة وإنما ستكون مستمرة، مشيرين إلى أن الخليج خلال أقل من خمس سنوات سيعاني من أزمات طاحنة، أبرزها البطالة وتراجع النمو والعجز الحاد في الموازنات العامة لدوله الست، التي تعتمد بشكل أساسي على النفط.
ويرى خبراء اقتصاديون أن خروج الاقتصاد الخليجي من تلك الأزمة يتطلب عدة وسائل وإجراءات مهمة، أبرزها: اللجوء للاقتصاديات الموازية التي لا تعتمد على النفط، مستغلين الاحتياطيات النقدية الفائضة، وإجراء إصلاحات اقتصادية، وهي الإجراءات التي بدأت بها بعض دول الخليج بالفعل، بالإضافة لتغيير السياسات المالية والعمل على توفير مناخ مناسب للمستثمرين.
تحذيرات من كوارث اقتصادية
حذرت عدة تقارير من مستقبل مظلم يواجه الاقتصاد الخليجي، حيث قال مختصون في قطاع الطاقة، إن الأزمة النفطية ليست أزمة عابرة ولا أمر طارئ، مؤكدين وجود تغير حقيقي في خريطة الطاقة العالمية، مضيفين أن “حالة الانخفاض سوف تستمر لفترة غير قصيرة، ويتوقع أن تصل حتى عام 2020، بفعل تباطؤ الانتعاش الاقتصادي في البلدان الناشئة، وحتى في المتقدمة منها، خصوصًا في اليابان وأوروبا”.
وأشارت وكالة “موديز انفستورز سيرفيس” للتصنيف الائتماني، في تقرير لها نهاية أكتوبر الماضي، إلى أن موازين المعاملات الجارية والميزانيات العامة لحكومات دول مجلس التعاون الخليجي، ستظل معرضة لضغوط، في ظل توقع بقاء أسعار النفط عند مستويات منخفضة لفترة أطول.
وأدى انخفاض أسعار النفط وفقًا لتقرير صادر عن البنك الدولي نهاية 2015، إلى تكبد دول الخليج خسائر خلال العام الماضي، ما بين 300 إلى 500 مليار دولار، لافتًا إلى أن ذلك يفرض عليها الصرف من مدخرات صناديق الثروة السيادية المقدرة بأكثر من ترليوني دولار، وبعد استنفادها فإنها ستعمل على تطبيق سياسات تقشفية تتواءم مع تقلص إيراداتها المالية، وقد تلجأ إلى الاستدانة من صندوق النقد الدولي للوفاء باستحقاقاتها المالية تجاه شعبها.
الأزمة النفطية
أوضح خبراء اقتصاديون أن أمام دول الخليج فرصة للخروج من أزمة انخفاض أسعار النفط، وقاموا بتحديد عدد من الإجراءات والسياسات المالية التي يجب اتباعها للخروج من الأزمة الحالية وتأثيراتها المتوقعة، خاصة في ظل وجود احتياطي نقدي ضخم لدى دول مجلس التعاون الخليجي.
وقال الخبير الاقتصادي الدكتور محمد فوزي: إن انخفاض أسعار البترول والغاز أعطى فرصة لدول الخليج لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب الأوراق من جديد، خاصة الدول المنتجة والمصدرة للبترول؛ لافتًا للأزمات الكبيرة التي ستواجه دول الخليج إذا ظل استمرار انخفاض الأسعار في الأسواق العالمية، رغم الاحتياطات المالية الضخمة التي تمتلكها، موضحًا أن السبب في ذلك اعتماد تلك الدول بشكل كلي على صادرات البترول ومشتقاته.
وأشار “فوزي”، في مقال له نشرته جريدة الشرق القطرية ديسمبر الماضي، إلى ضرورة الاستفادة من أسعار النفط المخفضة لإعادة النمو والبناء والتنمية من جديد، من خلال زيادة مساهمة القطاع الخاص في مختلف المجالات، خاصة غير النفطية، وتوفير تسهيلات وحوافز للاستثمارات المحلية والأجنبية والإنفاق الحكومي الاستثماري.
وطالب الحكومات الخليجية بوضع عدد من الأمور في حساباتها، أثناء وضعها الخطط الاقتصادية الهادفة لمواجهة الأزمة، وحدد تلك الأمور بعدة نقاط، أبرزها أن تقوم الحكومات بوضع خطط قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل لضبط أوضاع المالية العامة، مع إبطاء معدل نمو الإنفاق الجاري على فواتير الأجور وتكاليف دعم الطاقة، وتحديد أولويات الإنفاق الرأسمالي والاستثماري، وزيادة الإيرادات غير النفطية.
وقال الخبير الاقتصادي: إن على دول الخليج في إطار مواجهة الأزمة أن تعمل على ضمان العدالة بين التوزيع للأجيال، وإعادة بناء وتنظيم وإدارة الهوامش الوقائية والاحتياطات والصناديق السيادية، وتنويع النشاط الاقتصادي داعماً لضبط أوضاع المالية العامة والناتج الكلي العام. مطالباً بضرورة إفساح المجال للقطاع الخاص (صغير- متوسط)، بالاعتماد على محركات أساسية للاقتصاد، بدلًا من التركيز على البترول ومشتقاته والغاز في الإنفاق الحكومي، مشيرًا لضرورة تخصيص إيرادات البترول للقطاع الاستثماري، مع ضرورة لجوء الحكومة إلى الاقتصاد الخاص والبحث عن البدائل والمصادر البديلة، وإعادة بناء النظام الضريبي واعتماد الشفافية والإفصاح، ونزاهة النظام الإداري والمالي في المؤسسات الحكومية.
إصلاح لا ترقيع
واتفق الكاتب الاقتصادي الكويتي شملان العيسى، مع ” محمد فوزي” بأنه مازال أمام الخليج فرصة للنجاة من تأثيرات أزمة انخفاض أسعار النفط، ومواجهة الأزمة الاقتصادية الوشيكة، قائلًا: إن “البداية المتأخرة خير من أن لا تبدأ”، مشيرًا لإجراءات الإصلاح الاقتصادي التي بدأت تتبعها أغلب دول الخليج.
وأشار العيسي، في مقال له بعنوان “الخليج والأزمات الاقتصادية” بموقع الشرق الأوسط بداية يناير الجاري، إلى أن الإصلاحات الاقتصادية الخليجية صبت في اتجاه تقليص الإنفاق وتخفيض الدعم على الوقود والخدمات وغيرهما، مضيفًا أنها “إجراءات غير كافية وغير شعبية، والمقصود هنا بأن العجز مستمر وبشكل كبير”.
وتابع أن المعضلة التي تواجه الخليج وتساهم في تعميق الأزمة، هي اعتماده الأساسي على النفط وهيمنة الحكومات الخليجية على الاقتصاد بشكل رئيسي، موضحًا “ما يعني أنها هي التي تتحكم في سوق العمل.. فلا يوجد قطاع خاص حقيقي في أغلب هذه الدول، لديه القدرة على استيعاب مئات الآلاف من الشباب الداخلين في سوق العمل، كما لا يوجد مدخول حقيقي للدولة من فرض الضرائب على المواطنين والقطاع الخاص”.
وأكد أن من المشاكل البارزة التي تواجه الخليج: كيف يمكن بناء اقتصاد حقيقي منتج يخلق فرص عمل للشباب ويعطي مدخولاً ثابتًا للدولة؟. بمعنى آخر، كيف يمكن تحويل اقتصادات الدول الريعية إلى اقتصاد منتج يعتمد على طاقاته الذاتية؟، مشددًا على أن هذا التحدي يُعتبر صعبًا لأي دولة، حتى ولو كانت دولة رأسمالية عريقة مثل بريطانيا”.
واختتم العيسى مقالته مؤكدًا أنه لا مخرج لدول الخليج سوى المضي قدمًا بالإصلاحات الحقيقية، وليست ترقيعية مؤقتة، على أمل أن تعود أسعار النفط للارتفاع مرة أخرى.
تم النشر بموقع شؤون خليجية
31-1-2016بتاريخ