تخطى إلى المحتوى

تقرير – هدى التوابتي:

 حرب درامية تلحق بالحروب السياسية الدائرة في العالم العربي، بطلها الدولة العثمانية، ما بين الافتراء عليها، والمبالغة في عرض تاريخها، وطرفاها في الوقت الحالي (الإمارات) وما تُمثّله من دعم للديكتاتوريات العربية، و(تركيا) والتي يمكن القول: إنها تقف على النقيض من الدور الإماراتي وتُعاديه.

بدأت الإمارات تلك الحرب الدرامية بدراما “ممالك النار”، وإن كانت الدراما التركية العثمانية سابقة لها، إلا أنه يمكن القول: إنها جزء من اعتزاز الأتراك بتاريخهم، وتعصّبهم المعروف له، أو هي جزء من معركة ثالثة لم تكن الإمارات جزءًا منها من قبل.
فعقب خمسة أجزاء من مسلسل “قيامة أرطغرل”، وبداية الجزء الأول من مسلسل “المؤسس عثمان”، انتبهت الإمارات كما يبدو للتوغل الإعلامي الكبير للعمل التاريخي الضخم، ودوره في رسم صورة الدولة العثمانية في الأذهان، فكان الرد بـ “ممالك النار”.

بداية الحرب.. “ممالك النار”

تناولت الإمارات في “ممالك النار” انهيار دولة المماليك في مصر والشام، وبداية حلول الدولة العثمانية محل المماليك نهاية القرن السادس عشر تقريبًا، وحرص المنتجون للعمل على رسم صورة “دموية” لتلك النهاية وتلك البداية؛ لتتناسب مع الرأي الإماراتي لا التاريخ.

تكلفة الحرب الإعلامية على الجانب الإماراتي، وفقًا للشركة المعلنة وصلت لـ ٤٠ مليون دولار، حيث استعانت بمخرج بريطاني معروف وهو “بيتر ويبر”، وتأليف “محمد سليمان عبد الملك”، وبطولة “خالد النبوي” ونخبة من الفنانين العرب.

حرص الإعلام الإماراتي، والمصري المدعوم من الإمارات، على الربط بين تركيا حاليًا والعنف المنسوب في المسلسل للدولة العثمانية، وهو ما ظهر في إجابة مؤلف “ممالك النار” حول هل حاول الربط بين السلطان “سليم الأول” والرئيس التركي، ورغم رفضه الإجابة تاركًا الإجابة للجمهور، إلا أنه أكّد في إجابته أن ما “يُسمّونه الخلافة العثمانية حلم تركي تجاوزه الزمن”، في ربط واضح بين الماضي والحاضر.

“قيامة أرطغرل” و”المؤسس عثمان”

على النقيض من “ممالك النار” يأتي العملَيْن الضخمَيْن “قيامة أرطغرل” و”المؤسس عثمان”، حيث يقوم العملان بنقل حقبة بداية قيام الدولة العثمانية في تركيا في القرن الثالث عشر ميلاديًا، وينقل بطولاتهم وفتوحاتهم.

حيث يُخاطب “أرطغرل” و“عثمان” الحميّة العربية، والنزعة الدينية، والتعطّش للانتصارات لدى الجمهور العربي في عهد مليء بالهزائم والتراجع الكبير للأمة العربية.

“قيامة أرطغرل” الذي امتلأ بالبطولات الممزوجة بالحكمة الصوفية، وقصص الغرام، أغلب أحداثه في الحقيقة هي خيال الكاتب وإضافاته، لا وقائع تاريخية، فما ذكرته الكتب التاريخية عن “أرطغرل” وقبيلة “الكاي”، قليل ومتناقض، ولا يصلح لتكوين عمل درامي ضخم من خمسة أجزاء.

جاء عرض مسلسل “ممالك النار” في توقيت مقارب لعرض العمل التاريخي التركي الضخم “المؤسس عثمان” والذي يتناول – هو ومسلسل “قيامة أرطغرل” السابق له – تاريخ الدولة العثمانية وبطولاتها ومفاخرها.

المسلسل التركي التاريخي الضخم حظي بدعم الدولة التركية، والرئيس التركي “رجب طيب أردوغان”، بل قام بزيارة موقع التصوير، والتقط الصور مع أبطال العمل على غير عادة الزعماء، في إشارة لأهمية المسلسل الذي تخطّت مشاهداته الـ ١٠٠ مليون مشاهدة حول العالم.

أما التكلفة فهي بالطبع لا تقلّ ضخامة عن تكلفة إنتاج “ممالك النار”، بل يبدو أن منتجي “ممالك النار” حرصوا على السير بنفس الطريق، فجاءت تكلفة الحلقة الواحدة لـ “أرطغرل” تتخطّى النصف مليون دولار، فيما حرص المنتجين الكشف عن الإعدادات الضخمة لمسلسل “عثمان”.

وكان أبرز ما تم الكشف عنه إنشاء بحيرة صناعية على مساحة ٨٠٠ م بعمق ١٦٠ سم، ومدينة وأسواق وبيوت، وقلعة، و٤ قبائل بالإضافة لقبيلة “قايي”، مع شراء ما يقارب من الـ ٧٠ فرس جديد، وآلاف الكومبارس، و٣٥٠ فرداً من فريق العمل؛ من أجل خروج العمل الذي استمر التجهيز له لعام كامل.

حروب الدراما والسياسة

على الرغم من أن “ممالك النار” جاء في حرب إعلامية معلنة وواضحة لمواجهة – ما أسماه منتجوه والإعلام المصري – “القوة الناعمة لتركيا”، إلا أنه ليس العمل الوحيد الذي استدعى الماضي لمعارك الحاضر، بل سبقه عمل درامي تاريخي ضخم، كان موضع معارك السياسة على الشاشات.

حيث سبق إنتاج “أرطغرل” إنتاج تركي أيضًا، يُوثّق حقبة السلطان “سليمان القانوني”، ولكن من وجهة نظر مجموعة “أضن دوغان”إمبراطور الإعلام التركي، المعروف بعلمانيته المتطرفة، والمدعوم من حزب “الشعب الجمهوري” المُعارض لـ “أردوغان”.

حيث ركّز “حريم السلطان” على قصص عشق وهمية، وبعض الوقائع التي جرت في التاريخ العثماني، متجاهلًا الفتوحات والانتصارات وقوة الدولة العثمانية خلال تلك الحقبة، مظهرًا إياها بمظهر التتار والهمج.

في المقابل قام التيار المحافظ في تركيا باستدعاء نشأة الدولة العثمانية، والفتوحات التي ارتبطت به، ورسم صورة المُحارب التركي المُؤمن، وبثّ جوانب العشق المُخلص، مع تلك الصورة، في الرد على الحرب الدرامية، التي لا نعلم هل تنتهي بـ “ممالك النار” أم أن لها أجزاءً أخرى.