
كتبت_هدى التوابتى
حرصت تركيا خلال الفترات الماضية خاصة بعد صعود الرئيس رجب طيب أردوغان للحكم في 2002 على علاقات جيدة مع الدول العربية وخاصة الخليجية، إلا أن العلاقات التركية الخليجية عامة والإماراتية خاصة، شهدت تقلبات كثيرة كان آخرها التراشقات الإعلامية المتبادلة والتوتر السياسي والتي تثير التساؤلات حول مستقبل تلك العلاقات وهل يمكن أن تصل إلى حد القطيعة بين الدولتين؟.
وعلى الرغم من وصف المحللين السياسيين لسياسة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأنها مشابهة لـ”شعرة معاوية” مع دول الخليج وخاصة الإمارات إلا أن وسائل الإعلام التركية تحذر مؤخرًا من قطع تلك الشعرة تمامًا.
اتهامات متبادلة
بدء التوتر بين تركيا والخليج خاصة الإمارات مع الانقلاب العسكري في مصر عام 2013 وعزل الرئيس المصري محمد مرسي، حيث اتهمت الإمارات التي دعمت الانقلاب بقوة، الرئيس التركي بالتدخل في الشؤون الداخلية المصرية، وتخلل هذه الفترة اتهامات متبادلة بين البلدين.
وتخلل تلك الفترة عدد من الاتهامات المتبادلة، ودلائل أخرى على جفاء العلاقة بين البلدين حيث اتهمت الإمارات تركيا بإرسال الأسلحة إلى أحد أطراف الأزمة الليبية، وهو ما نفته أنقرة واتهمت بالمقابل أبو ظبي بإرسال الأسلحة إلى قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر.
وقال داود أوغلو، وزير الخارجية التركي، في ذلك الوقت، تعليقًا على تلك الاتهامات: “هذا ادعاء كاذب تماما.. إنه مجاف للحقيقة، ولكي أكون صادقا فإن هذا افتراء يأتي من أولئك الذين يتدخلون في ليبيا ويرسلون مساعدات الأسلحة. دعوني أكون واضحا في هذا الشأن. هذا الافتراء قادم من مصر والإمارات العربية المتحدة”.
ومن الاتهامات المتبادلة أيضًا، اتهام تركيا للإمارات ـ بشكل غير رسمي ـ بأن “هناك تعاون من الإمارات مع الصرب في مواجهة الجهود والمساعدات التركية، التي تقدم إلى المواطنين في منطقة البلقان”، و”تمويل كتاب غربيين من أجل الإساءة إلى تركيا واتهامات لجهات إماراتية بالعمل مع عدو أردوغان اللدود الداعية فتح الله غولن وبعض رموز المعارضة والتجسس على قيادات من الإخوان المسلمين وحركة حماس والمعارضة السورية يقيمون بالأراضي التركية”.
كما اعتبرت مصادر تركية أن فشل تركيا في الحصول على مقعد غير دائم بمجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة عام 2014 بأنه يقف ورائه دول الخليج العربية، وخاصة دولة الإمارات وذلك من خلال عملهم ضد تركيا خلال انتخابات مجلس الأمن نظرا لعلاقات تركيا السلبية مع مصر.
في حين برزت اتهامات بشأن دعم الإمارات لعدد من المرشحين والتيارات السياسية بتركيا في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية السابقة بهدف تقويض سلطة الرئيس التركي الحالي رجب طيب أردوغان وسلطة حزبه العدالة والتنمية.
تراجع العلاقات التجارية
وظهر التوتر بشكل واضح في العلاقات الاقتصادية بين أنقرة وأبو ظبي، حيث أشارت البيانات الواردة من معهد الإحصاءات التركي إلى تراجع في العلاقات التجارية بين تركيا والإمارات بعد عام 2013، ففي الأشهر الأربعة الأولى من عام 2015، بلغت قيمة الواردات التركية من دولة الإمارات نحو 647 مليون دولار أمريكي، في حين سجلت الواردات خلال نفس الفترة من عام 2014 و 2013 حوالي 812 مليون دولار و2.2 مليار دولار على التوالي.
وحول الصادرات، فعلى الرغم من ظهور زيادة طفيفة ببيانات عام 2015 بحوالي 2.159 مليار بين يناير وأبريل، مقارنة بــ 1.883 مليار في نفس الفترة من عام 2014، فإن الصادرات السنوية من تركيا إلى دولة الإمارات انخفضت بشكل عام دون مستوى ما كان بين 2013 و 2014. وإجمالي الصادرات في عام 2013 بلغ حوالي 4,965 مليار، وتراجع هذا الرقم محققا 4,655 مليار في عام 2014.
التراشق الإعلامي
في الفترة الأخيرة تصاعد التراشق الإعلامي بين الإمارات وتركيا بشكل كبير لينبئ بتدهور أكبر في العلاقات، حيث بدء ذلك التراشق مجددًا بالتغطية الإعلامية الإماراتية للانتخابات البرلمانية التركية الأخيرة والتي غطتها شبكة سكاي نيوز الممولة من الإمارات والعاملة من دبي تحت عنوان «ديمقراطية الديكتاتور» كناية عن أردوغان الذي فاز بالانتخابات الرئاسية عام 2014.
فيما تتواصل الاتهامات الإماراتية من خلال وسائل الإعلام لتركيا بدعم تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» بالسلاح، والسماح بدخول المقاتلين الأجانب من خلال أراضيها، وهو ما نفته الحكومة التركية مراراً، كما تتحدث أبوظبي عن ما تصفه بـ”انتهاكات حقوق الإنسان وانتهاكات حرية الصحافة في تركيا”.
ودخلت وسائل الإعلام التركية على خط المواجهة مؤخرًا، حيث شنت وسائل إعلام تركية هجوماً على الإمارات، عقب نشر وكالة الأنباء الرسمية الإماراتية «وام» تصريحات «محرفة» للرئيس التركي، وكتبت صحف تركية كبيرة تحت عنوان «افتراء قبيح ضد أردوغان من قبل وكالة الأنباء الإماراتية» موضحةً أن الوكالة حرفت تصريحات أردوغان مدعيةً أنه قال تعقيباً على سقوط الطائرة الروسية في سيناء “من الطبيعي أن تسقط داعش الطائرة الروسية لأن موسكو تهاجم التنظيم بسوريا”.
الهجوم الأكبر على الإمارات جاء منذ أيام من خلال مقال للكاتب المقرب من نظام الحكم بتركيا إسماعيل ياشا تم نشره بصحيفة «ديريليش بوستاسي» الثلاثاء الماضي، والذي طالب فيه بوضع حد لحاكم أبو ظبي “محمد بن زايد” واصفًا إياه بالفتى المدلل متهمًا إياه بعدة تهم أبرزها التخطيط لتفجير السفارة التركية في طرابلس، أو التحضير لعمل إرهابي كبير ضدها، وأنها متورطة في الهجوم على القنصلية التركية في مصراتة.
مستقبل العلاقات
اعتبر الكاتب والباحث السياسي حمدي عبد العزيز، أنه على الرغم من الخلاف الواضح في الرؤى بين الإمارات وتركيا إلا أن الرئيس التركي أردوغان “يحتفِظ بشَعرة مُعاوية مع دول الخليج العربية، وأن لُغة المصالِح تقتضي أن تظلّ تركيا منفتِحة عليهم، وهو ما قد يكبَح اللّغة الخِطابية النارِية لأردوعان” على حد قوله.
وتوقع “عبد العزيز”، في تصريح سابق له، عقب فوز أردوغان بالانتخابات الرئاسية الماضية، أحد سيناريوهين للعلاقات التركية – الخليجية ، أولهما، تصاعُـد العداء بفِعل الخِلافات حول التَّعاطي مع الملفّـيْن المصري والفلسطيني، وآخرهما: التهدِئة وتغليب لُغة المصالح، رغم الخلاف الواضح في الملف المصري، مُرجّحا السيناريو الثاني.
بدوره أشار الكاتب محمد زاهد جول، في مقال له عن سياسة “أردوغان” في العلاقات التركية الخليجية، إلى أن أردوغان حرص على دعم “عاصفة الحزم” منذ اليوم الأول لها رافضًا ما وصفه “جهود إيران للهيمنة على المنطقة” والتي قال عنها في تصريح له أنها “بدأت تزعج تركيا ودول الخليج”، مطالبًا الحكومة الإيرانية “بسحب قواتها من اليمن وسوريا والعراق”.
واعتبر “جول” في مقالته أن المواقف التركية الداعمة لأمن الخليج يجب أن يتم الترحيب بها ومقابلتها بالعرفان والشكر من كل الدول الخليجية، بما فيها دول الإمارات، والتوقف عن عمليات المكر والإساءة – على حد قوله.
واتهم “جول” الإمارات بأنها بدلًا من أن تثمين مواقف أردوغان فإن “الأجهزة الأمنية الإماراتية تورطت ضد تركيا وحكومتها ورئيس جمهوريتها أردوغان، سواء كانت داخل تركيا وخارجها، دون وجود مبررات قانونية أو سياسية لها، ودون معرفة الأسباب الحقيقية وراءها”.
وطالب “جول” الأجهزة الإماراتية بتنسيق تحركاتها داخل تركيا مع المخابرات التركية الوطنية، ومع الجهات الأمنية المختصة طالما أنها تراها ضرورية لأمنها القومي، مضيفًا :” أن تجاهلها للتنسيق يزعج الحكومة التركية مباشرة، ويجعلها تفكر بالقيام بإجراءات لا تتمناها الحكومة التركية ولا رئيس الجمهورية التركية السيد أردوغان، مع دولة صديقة مثل الإمارات”.
تم النشر بموقع شؤون خليجية
22-11-2015بتاريخ