تخطى إلى المحتوى

cimage-1446302038

* العقلاء داخل السعودية لا يريدون تقسيم اليمن لمنع التغلغل الإيراني في الجنوب

* بدون بناء دولة يمنية سيصبح استقرار منطقة الخليج على (كف عفريت)

* فرص نجاح أي عمل سياسي باليمن تتوقف على دخول السعودية بثقلها في المفاوضات

* الخلافات بين هادي ونائبه بحاح لن تؤثر على حلول الأزمة اليمنية

* القيادة الرخوة والأنانية السياسية.. أوصلا اليمن إلى ما الوضع المزري الذي تعيشه

* تأخر تحرير “تعز” خوفًا من تقديم اليمن على طبق من فضة للإخوان المسلمين

* اليمن طوال تاريخها دولة فيدرالية.. وبدون الفيدرالية لا يمكن أن تستمر الوحدة

* الحكومة اليمنية الحالية فاشلة يجب استبدالها بأخرى أكثر قبولًا من الشعب

كتبت– هدى التوابتي:

خرجت الأزمة اليمنية من إطار التراشقات السياسية والمؤتمرات التي تحاول جمع الفرقاء، لتصبح حربًا ضروس مات فيها آلاف المدنيين، وسط أنباء كل يوم عن حوار سياسي مرتقب أو قرب انتهاء الحرب، حرص “شؤون خليجية” على محاورة المحلل السياسي والصحفي اليمني منير الماوري، والذي أجاب عن أهم التساؤلات حول مستقبل اليمن، وكيف يرى الخلافات بين الرئيس اليمني عبد ربه هادي ونائبه خالد بحاح، وهل اليمن مقبلة على انقسام؟، وكيف ستؤثر الحرب الدائرة حاليًا على دول الخليج المشاركة فيها، ونقل لنا رؤيته في حل الأزمة الحالية بشكل كامل.

وكشف “الماوري” كيف تغلغل الحوثيون في اليمن وعلاقاتهم بدول الخليج وإيران، والدور الذي يتوقع للولايات المتحدة الأمريكية القيام به حال فشل الحل السياسي متمثلًا في جنيف 2، ولماذا تأخر تحرير المحافظات الشمالية خاصة “تعز”، رغم تحرير محافظات الجنوب مبكرًا؟

منير الماوري هو أحد أبرز المحللين السياسيين والصحفيين على الساحة اليمنية، وهو من مواليد مدينة “رداع” بمحافظة البيضاء، ويقيم في واشنطن، وهو أحد أعضاء مؤتمر الحوار الوطني اليمني، كما اختير عضوًا بالمجلس الوطني لقوى الثورة اليمنية في أغسطس 2011، وممثلًا لمجلس شباب الثورة اليمنية في واشنطن. عمل “الماوري” في أمريكا صحفيًا في صحيفة “Arab American News” الصادرة في ولاية ميشجن، ثم عاد إلى اليمن بعد إعلان الوحدة، وعمل في مؤسسة الثورة وصحيفة الوحدة حتى عام 1993، وفي عام 2000 انتقل لقطر، حيث عمل مع مجموعة من الصحفيين العرب على تأسيس الموقع الإخباري لقناة الجزيرة، وعمل نائبًا لمدير التحرير حتى عام 2003. انتقل الماوري بعد ذلك من الجزيرة القطرية للعمل في إذاعة صوت أميركا للعمل في راديو سوا الناشئة الناطقة باللغة العربية، حيث انتقل إلى واشنطن وما زال يقيم فيها حتى الآن.

** نبدأ معكم من آخر التطورات.. كيف ترى الخلافات بين الرئيس اليمني هادي ونائبه خالد بحاح، وما تأثير ذلك على مستقبل حل الأزمة اليمنية؟

* الخلافات بين الرئيس عبدربه هادي ونائبه رئيس الوزراء خالد بحاح، هي من المسائل المؤسفة، ولكنها لن تؤثر على حل الأزمة اليمنية، لأن بحاح وهادي كليهما لا يملكان أي قرار، القرار بيد الكفيل الذي يعيشان في ظله وتحت رعايته، وفي النهاية إذا أراد لهما الكفيل أن يتفقا فسوف يتفقا رغمًا عنهماـ وإذا استمر الخلاف فإن الرئيس هادي سيكون هو المنتصر، وسينهي حياة بحاح السياسية إلى الأبد، لأن بحاح في الأصل يستمد شرعيته من شرعية هادي، حتى وإن كانت شرعية منقوصة.

** وافقت الحكومة الشرعية على الدخول في مفاوضات جديدة مع الحوثيين في “جنيف 2″، رغم حديث بعض الحوثيين عن فشله قبل أن يبدأ، كيف ترى فرص نجاح المسار السياسي؟

* فرص النجاح لأي عمل سياسي، سواء “جنيف 2” أو غيره تتوقف على مدى انخراط المملكة العربية السعودية بثقلها في المفاوضات، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وإذا ما توفرت لدى السعوديين الإرادة السياسية للتوصل إلى حل فإن ما تبقى سيكون مجرد تحصيل حاصل، وإذا لم يتم ذلك فإن الولايات المتحدة قد تضطر إلى سحب الملف اليمني من دول الخليج والتعامل معه مباشرة، مثلما فعلت من قبل، لأن استمرار الوضع في اليمن على ما هو عليه يهدد بكارثة إنسانية سوف تترتب عليها محاكمات دولية، وتغييرًا جذريًا في قواعد اللعبة بجعل أعزة قوم أذلة.

وأطن أن موضوع المفاوضات هو قرار سعودي بالدرجة الأولى، وسواء أراد هادي أو عارض وأراد بحاح أو عارض، فهذا لا يهم، والأهم هو ماذا يريد محمد بن سلمان وزير الدفاع السعودي، وإلى أي مدى يمكن أن يدعم كبار أفراد الأسرة المالكة السعودية رغبات بن سلمان.

** بعد تصريحات الحوثيين بأن الحل السياسي فشل في اليمن، وأن جنيف 2 فشل قبل أن يبدأ.. كيف ترى مستقبل الصراع ومستقبل حل الأزمة؟

* في الواقع وللأمانة أنا قرأت ما صدر عن الحوثيين وهو عبارة عن رأي شخصي لأحدهم في منشور بموقع “فيس بوك”، ولا يعني رفض المفاوضات، وإنما تحليل لها، وتحميل للطرف الآخر مسؤولية فشلها.

وأنا على علم بأن هناك مطبخًا إعلاميًا للطرف الآخر يديره نجل الرئيس هادي الأكبر جلال، من مقر إقامته في الرياض، وهذا الرجل ليس له أي صفة في الحكومة اليمنية، ولكنه يلعب بكل الخيوط وكأنه جمال مبارك في زمانه. المهم مطبخ جلال هادي يريد الإيحاء بأن الحوثيين قد رفضوا المفاوضات، وأنهم يريدون الحرب، والحقيقة أن من لا يريد المفاوضات هو الرئيس هادي، لأن المفاوضات السياسية يمكن أن تنتهي بواحد من أمرين كلاهما ليس في صالحه.

الأمر الأول أن يتم استبعاده من اللعبة نهائيًا ويفقد شرعيته، وهذا ما لا يريده لأنه يتاجر بورقة الشرعية، ويبيعها لمن يدفع أكثر، والاحتمال الثاني أن تنتهي المفاوضات بالاتفاق على عودته إلى صنعاء لممارسة شرعيته عمليًا، وهو ما لا يمكن أن يقدم عليه، لأنه يخشى على حياته، ولن يطمئن للعودة إلى اليمن بعد سقوط كل هذا العدد من الضحايا من أجل شرعيته المنقوصة، ولهذا فهو لا يريد التفاوض أصلًا، والشخص الذي يريد التفاوض فعلًا هو خالد بحاح، لأنه إلى حد ما مقبول لدى الحوثيين ولديه تواصل دائم معهم عبر الرسائل النصية إلى رقم هاتفه الأميركي، ويعتقد أن عودته لليمن ستقود إلى ترقيته من قبل الحوثيين من نائب رئيس إلى رئيس، بدلًا عن عبدربه منصور هادي.

** برأيك ما الذي أوصل اليمن إلى حالة الحرب الدائرة الآن، وهل الخطأ يكمن في أطماع الحوثيين وصالح، أم أن هناك عوامل أخرى خاصة الصراعات الإقليمية بين إيران والسعودية؟

* سببان رئيسيان هما اللذان أوصلا اليمن إلى الوضع المزري الذي تعيشه، وهما القيادة الرخوة، والأنانية السياسية، والأخيرة هي سمة عربية قبل أن تكون يمنية، ولكن القوى السياسية اليمنية تتصف بالأنانية وعدم القدرة على التعايش مع الآخر وقبول الآخر، فكل قوة سياسية تريد أن تستولي على كل شيء ولا تريد أن تقدم شيئًا لشعبها.

ورغم كل التناقضات إلا أن العامل الأكثر محورية في القضية اليمنية هو غياب القيادة المسؤولة، الرئيس عبدربه منصور هادي، كما وصفه أحد المثقفين اليمنيين رئيس رخو، لم يكن في مستوى التحدي ولم يستطع أن يمسك بخيوط اللعبة ويبعد الحوثي وصالح، بل شجعهما في البداية وتآمر معهما على قوى أخرى، عندما كان الكفيل يطلب ذلك، والقوى الأخرى بدورها كانت تتآمر على الآخرين وترفض القبول بالحوثي، بل تآمرت حتى على إقصاء قيادات ثورة 2011، و لم يفكر أحد من هذه القوى في العمل على بناء دولة للجميع بمشاركة الجميع وعدم رفض أحد، فخسر الجميع كل شيء وتفتتت الدولة اليمنية.

** شنت السعودية ودول التحالف حربًا في اليمن ضد الحوثيين وصالح وحفاظًا على الشرعية، كيف ترون هذه الحرب، وهل حققت الهدف منها، ومتى ستنتهي في تقديركم؟

* السعودية وبعض دول الخليج حاربت الشرعية في مصر، فلما جاءت تدافع عن الشرعية في اليمن لم تجد من يصدقها، المسألة هي أهواء ومصالح، والأنظمة التي تدافع عن الشرعية في اليمن لا شرعية لها أصلًا في بلدانها ومع شعوبها، ولم ينتخبها أحد.

أما الرئيس الذي يدافعون عن شرعيته في اليمن فهو يستمد شرعيته من مبادرة خليجية ومن قرارات دولية، ولم يستمد شرعيته من أي منجز أنجزه لشعبه سوى الدمار والخراب والحرب، التي الذي جعلته منبوذًا شعبيًا ومرفوضًا في شمال اليمن وجنوبها على حد سواء.

وأظن أنه من العار أن السلاح العربي لم يستخدم إلا ضد العرب، وليس ضد أي عدو غير عربي. ويجب أن لا ننسى أن الحوثي كان حليفًا للسعودية طوال فترة الستينات، ضد جمال عبدالناصر في اليمن، وصالح هو صنيعة من صنائع السعودية، وما يحدث هو أن عملاء السعودية في اليمن تمردوا عليها لأسباب خاصة بهم، والشعب اليمني يدفع الثمن.

الشعب العربي في السعودية أيضًا يدفع ثمنًا باهظًا، وستكون للحرب تداعيات داخلية على السعودية، ربما أخطر وأقسى من تداعياتها على اليمنيين الذين اعتادوا على الحروب، وأصبح القتال سمة من سمات حياتهم للأسف.

** تأخر التحالف في تحرير منطقة تعز وعدد من الأمور التي برزت للسطح يشير لوجود خلاف بين دول التحالف نفسها في بعض الأمور، نريدكم أن توضحوا لنا حقيقة تلك الخلافات وأسبابها ومدى تأثيرها على سير المعارك؟

* “تعز” هي معقل الأحزاب التي يوجود قادتها حاليًا في الرياض من ناصريين واشتراكيين وإسلاميين، وعلى رأسهم حزب الإصلاح الإسلامي، أو ما يعرف خارج اليمن باسم جماعة الإخوان المسلمين، إلى جانب أنها معقل لتنظيمات إسلامية ناشئة أو مفرخة من جماعة الإخوان، ومن السهل تحرير تعز من قبضة الحوثي وصالح، لولا أن هناك من دول التحالف من يخشى أن يؤدي ذلك إلى تقديم اليمن على طبق من فضة مرة أخرى لحركة الإخوان المسلمين، لأن تعز هي اليمن واليمن هي تعز.

السعودية في عهد الملك عبدالله والإمارات في الماضي والحاضر تريدان التخلص من علي عبدالله صالح، ولكن لا تريدان أن يكون البديل هو حركة الإخوان أو أي تنظيمات إسلامية موالية لها.

وهناك عامل آخر، هو أن القيادات الجنوبية المتحكمة في الرئيس هادي ونائبه بحاح، الذين يديرونهم في الظل، مثل حسين عرب ومحمد الشدادي وحيدر العطاس، لا يريدون أصلًا تحرير أي محافظة شمالية.. لديهم أجندة خاصة بهم وهي إقامة دولة في جنوب اليمن، ولكنهم لا يستطيعون المجاهرة بهذا الأمر حاليًا، لأن الكفيل لا يريده.

في المقابل السعودية لم تعد ترغب في تقسيم اليمن، لأن تقسيم اليمن إلى شمال وجنوب معناه ارتماء الشمال في أحضان إيران وهذا ما لا تريده السعودية، أو على الأصح العقلاء داخل السعودية، ويريدون أن يبقى اليمن موحدًا مع تخليصه من النفوذ الإيراني بأي ثمن.

** المناطق المحررة باليمن لم تسلم من التفجيرات والأعمال الإرهابية، يلقي البعض باللوم على الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، فيما يلقي البعض اللوم على تنظيم القاعدة، في رأيك من المسؤول الفعلي، وكيف يمكن مواجهة هذه الأعمال؟

* اللوم يقع على الحكومة الفاشلة التي لم تستطع ان تملأ الفراغ، وعلى رئيس الحكومة خالد بحاح الذي يتبختر وخلفه فريق كامل من المصورين التليفزيونين، ولا يعمل شيئًا من المسؤوليات المناطة به كرئيس حكومة. الحكومة الحالية فاشلة ويجب أن تستبدل بحكومة أكثر قبولًا من الشعب، ولم تلوثها الصراعات الشخصية مع الرئيس هادي أو مع غيره.

** الاغتيالات المستمرة والموجهة بشكل كبير ضد شخصيات جنوبية، من وراءها.. ولماذا تصاعدت وتيرتها في المناطق المحررة دون غيرها؟

* الجنوبيون دائمًا يقولون إنهم حرروا المناطق الجنوبية.. فلماذا لا يعلنوا دولتهم فيها ويتركنا الشماليون لحالنا، هل يتوقعون منا أن نعلن لهم نحن دولتهم الموؤودة؟! وحتى لو أعلنوا دولتهم بقدرة قادر فإن هذا لن يضيرنا في شيء، لأننا لم نجني من الوحدة معهم سوى الضنك والفقر والبؤس. دعوهم ينشئوا دولتهم وستجدونهم يقتلون بعضهم بعضا من اليوم التالي، وهم الآن من يتآمرون على بعضهم ويخططون وينفذون الاغتيالات ضد بعضهم البعض، ويكرهون أنفسهم وبعضهم أكثر مما يكرهوننا.

** الأجندات الدولية لها دور كبير في تحريك المشهد اليمني، فهل لك أن تحدثنا عن تلك الأجندات، خاصة الإيرانية ودورها في الحرب باليمن؟

* الوجود الإيراني في اليمن له تاريخ وليس حالة طارئة، ومن سخرية التاريخ أن أول وأبرز عميل لإيران في التاريخ اليمني ينظر إليه اليمنيون على أنه بطلهم التاريخي، وهو سيف بن ذي يزن، الذي جلب الإيرانيين إلى صنعاء لتحريرها من الأفارقة.

ودول التحالف العربي الآن جاءتنا إلى عدن بالأفارقة لتحريرنا من الإيرانيين. إنها مسخرة تاريخية، لكن على المستوى السياسي لا يوجد لإيران مصلحة حقيقية في اليمن كما هو الحال مع مصالحها في سوريا ولبنان.

ومن الأسرار التي لا يعرفها إلا قليلين أن الاستخبارات الإيرانية لم تكن تتعامل مع الحوثيين حتى وقت قريب، إلا عن طريق قيادات من الدرجة الثالثة أو الرابعة، وعندما قرر الحوثيون اقتحام صنعاء كانت طهران تنصحهم بعدم المغامرة بمثل هذه الخطوة، في حين أن الرياض وأبو ظبي وسلطنة عمان شجعوا الحوثي عن طريق صالح أو بالتعامل المباشر معه، تحت حجة السعي للتخلص من الإخوان المسلمين، وكانت السعودية تناصب الإخوان المسلمين العداء في عهد الملك عبدالله وتغير الوضع بعد وفاته.

ومن الأسرار السياسية التي يعرفها قادة السعودية وقيادات الحوثيين فقط، أنه يوم وفاة الملك عبدالله بن عبدالعزيز في شهر يناير الماضي، كان هناك في الرياض وفد من الحركة الحوثية برئاسة أحد المقربين جدًا من عبدالملك الحوثي، وفي وجود وسيط يمني هو شيخ قبلي من صعدة، في انتظار بدء مباحثات سرية بين الحوثيين ومسؤولين سعوديين من طاقم الملك عبدالله بشأن ترتيب الوضع السياسي في اليمن، بعد ثلاثة شهور من استيلاء الحركة الحوثية على صنعاء في 21 سبتمبر 2014.

وحسب ما علمته لاحقًا من أحد أعضاء الوفد الحوثي، فإن التعامل السعودي معهم تغير فجأة، وجاء من يخبرهم بوفاة الملك، طالبًا منهم المغادرة إلى المطار فيما يشبه الطرد. وهذا يفسر لنا أن التغيير في قمة هرم القيادة في السعودية لعب دورًا كبيرًا في تغيير مسار الأزمة اليمنية، كما أدى إلى تغيير أسلوب التعامل السعودي مع كثير من المشكلات، ومن الأشخاص مثل المبعوث الدولي المستقيل جمال بن عمر، وكذلك مع الحوثيين ومع خصومهم.

وقبل وفاة الملك عبدالله كنت شاهدًا بنفسي في صنعاء على التشجيع السعودي والإماراتي وإلى حد ما الأميركي، للرئيس هادي على تسهيل تمدد الحوثيين، وكنت أشعر بالاستغراب الشديد من ذلك، نظرًا لما أعرفه عن خطورة أي حركة مسلحة على أي نظام حكم، وكان وزير الدفاع السابق محمد ناصر أحمد المقرب جدًا من هادي، يلعب الدور الأكبر في تسهيل تمدد الحوثيين وتعيين الموالين لهم في الجيش بقرارات رئاسية. وقد اتصل بي الوزير ذاته أكثر من مرة محتجًا على كتاباتي ضد فتحه أبواب وزارة الدفاع أمام الحوثيين، وكان وزير الدفاع اليمني يخاطبني قائلًا: أنت لا تعرف مدى خطورة الإخوان المسلمين، مقدمًا لي بذلك تفسيرًا غير مباشر ليس للموقف السعودي في ذلك الوقت، بل كذلك للموقف الإماراتي والعماني ولموقف الرئيس هادي نفسه، حيث تمحورت رغبة الجميع حينها في توجيه ضربة لحركة الإخوان المسلمين في اليمن، ولأنصارها من أمثال اللواء علي محسن والملياردير حميد الأحمر وغيرهما، غير مدركين لخطورة إيجاد موطئ قدم لإيران جنوب الجزيرة العربية. وبالفعل توالت الضربات في عمران وهمدان وصنعاء، إلى أن وصلت إلى منزل هادي وسط صمت خليجي وأميركي.

ولكن الوضع تغير فجأة بعد وفاة الملك عبدالله، وتغيرت البرمجة السعودية لهادي من نصائح بالتضييق على الإخوان المسلمين وتقريب صالح والحوثيين، إلى تعليمات جديدة بعودة التحالف مع الإخوان، وشن حرب على الحوثيين لم تعد مجدية، لأنها جاءت بعد فوات الأوان وبعد خروج هادي من البلاد، وبعد قصقصة أجنحة الشخصيات الوطنية من الجيش اليمني.

وأثناء انعقاد مؤتمر كامب ديفيد تواترت معلومات عن تذمر إماراتي من السياسية السعودية الجديدة، لكن الإماراتيين وقعوا في فخ خداع علي عبدالله صالح، لأنه كان يوهمهم أنه صاحب التأثير في اليمن، وليس الحوثيون.

وقبل وفاة الملك عبدالله كان هناك تذمرًا قطريًا من التعامل السعودي الإماراتي مع ثورات الربيع العربي، وغضب سعودي إماراتي بالمقابل من دعم قطر لثورات الربيع العربي.

حاليًا الوضع تغير وأدرك الجميع أن الموقف القطري المعتدل كان أكثر حكمة، لكن المشكلة في السياسة السعودية في اليمن أنها قائمة على تشجيع طرف ضد آخر، وليس العمل على حل المشكلة. فمثلما يصعب إزاحة الإخوان المسلمين من المشهد السياسي في اليمن، فمن الصعب أيضًا إلغاء الحوثيين واستضافة الإخوان وأنصارهم لحوار مع أنفسهم في الرياض.

الفكرة في هذا الموضوع أن التغيير في قمة الهرم القيادي بالسعودية على مسار الأزمة اليمنية، كان أقوى تأثيرًا من الانقسام الطائفي (زيدي – شافعي) والمناطقي (شمالي – جنوبي) والاجتماعي (هاشمي- قحطاني).

** تحدثت عدة تقارير عن معاناة الصحفيين اليمنيين، بصفتك صحفي يمني على تواصل بشكل عام مع الصحفيين اليمنيين وتعرف مشكلاتهم.. هل لك أن تنقل لنا معاناتهم والمصاعب التي يواجهونها في اليمن؟

* الشعب اليمني أصبح كله يعاني، أما الوسط الصحفي فإن من يعاني فيه هم أصحاب المهنة الحقيقيون، ويتعرضون للاعتقال والقتل والخطف داخل اليمن، أو تكتم أنفاسهم داخل الرياض لمن تسنى له الخروج إلى هناك.

ولكن الأغلبية الساحقة من الكتاب في الصحافة اليمنية هم دخلاء على المهنة، وليسوا صحفيين بأي حال من الأحوال، بل إن بعضهم مرتزقة يعاني المجتمع من أكاذيبهم، وتعاني الصحافة منهم أيضًا أكثر مما يعانون منها.

** كيف ترى تأثير الحرب في اليمن وتكلفتها على دول الخليج المشاركة في التحالف العربي سياسيًا واقتصاديًا وحتى أمنيًا، وهل تتوقع أن يظهر التأثير قريبًا؟

* كنا يوما نحلم بتأهيل اليمن لكي تضم إلى مجلس التعاون الخليجي، ولكننا حاليًا أصبحنا نخشى أن يحدث العكس وتضم دول الخليج أو بعضها إلى عضوية نادي الفقراء، الذي يشمل اليمن والصومال وجيبوتي والبحرين.

** هناك دعاوى انفصال في اليمن، ودعاوى أخرى لدولة فيدرالية.. هل من الممكن أن تضع لنا صورة لمستقبل اليمن وفقًا لمعطيات الواقع، وما هو السيناريو الأقرب، ومدى تأثيره على مستقبل البلاد والمنطقة؟

* اليمن طوال تاريخها كانت دولة فدرالية، وبدون الفدرالية لا يمكن أن تستمر الوحدة اليمنية، الفدرالية كانت حلًا سليمًا يطرحه عقلاء اليمن، ولكن ما شوه الفدرالية هو أن صبيًا يمنيًا جديدًا ودخيلًا على السياسية اسمه “أحمد عوض بن مبارك”، استعان به الرئيس هادي في تقسيم اليمن إلى أقاليم، فكان مشروعه كارثيًا، وكان سببًا مباشرًا لقرار الحوثي باقتحام صنعاء، لا أدري هل الخطة كانت تقتضي ذلك باستفزاز الحوثي لاستدراجه إلى صنعاء، أم أنه الغباء المستفحل والأنانية التي جعلت “بن مبارك” لا ينصت إلى الأصوات العليمة بتركيبة المجتمع اليمني، والطريقة الأنسب لتقسيمه إداريًا بما يحافظ على وحدة الكيان اليمني.

السيناريو الأقرب للتنفيذ هو الفدرالية التدريجية التي تبدا بتقسيم اليمن إلى 22 إقليمًا بعدد المحافظات، مع ترك المجال لكل محافظتين أو أكثر أن تندمج في إقليم واحد، باستفتاء سكان كل محافظة على حده، وبهذه الطريقة فإن المحافظات الجنوبية الست تستطيع أن تصبح إقليمًا واحدًا أو إقليمين أو ثلاثة، أو حتى ستة حسب إرادة سكانها، ولا يفرض عليها “بن مبارك” أن تقسم إلى إقليمين، وهو ما أثار أبناء الجنوب وجعلهم يخشون على حضرموت.

الصراع الاستراتيجي يدور في الأساس بين اليمنيين على حضرموت، فالمتمسكون بالوحدة يتمسكون بها من أجل حضرموت، والمطالبون بالانفصال يريدون الانفصال من أجل الاستفراد بحضرموت، ولا أحد يسأل حضرموت عن رأيها، لا الشماليين ولا الجنوبيين، لأن حضرموت هي الإقليم ذو الثروة والسواحل البحرية الواسعة المطلة على المحيط الهندي، دون المرور بأي مضيق من المضائق الخطرة، ولهذا الإقليم مقومات دولة بكل ما تعنيه كلمة دولة من معنى.

ولكن قبل البدء بأي حلول عملية من هذا القبيل، لا بد من إخراج أطراف الأزمة من اليمن، أو بالأصح إخراج من تبقى منهم وهما عبدالملك الحوثي وصالح، أما بقية الأطراف فقد خرجوا ولا يجب أن يعودوا لا هادي ولا علي محسن، ولا قادة الأحزاب الموجودة في الرياض والقاهرة وعمان، ولا كبار المشايخ الذين عرضوا الخروج منذ البداية، ولا يزال البعض منهم مستعد للتضحية من أجل استقرار البلاد، ومنهم الشيخ حميد الأحمر، وكافة من له صلة بالأزمة اليمنية بشكل أو بآخر يجب أن يظل خارج البلاد لفترة خمس إلى عشر سنوات، إلى أن يتم تأسيس دولة تحفظ حقوق كل مواطنيها.

وبدون بناء دولة سوف تتحول اليمن إلى مأوى لداعش والقاعدة والحوثي، ويصبح استقرار منطقة الخليج على كف عفريت، خصوصًا أن الحرب اللعينة ستخلف أحقادًا قد تمتد مصائبها إلى أحفاد أحفاد محمد بن سلمان.

تم النشر بموقع شؤون خليجية

بتاريخ 31-10-2015