
كتبت_هدى التوابتى
* المملكة لديها خيارات كثيرة لسد العجز الحالي والمستقبلي بالموازنات بفضل إمكاناتها وثوراتها
* اقتصاد السعودية سيعاني على المدى البعيد ويجب البحث عن اختيارات بديلة لتنويع الدخل
* لا بد من تسريح ملايين العمالة الوافدة وإحلال المواطن مكانها إن أردنا مستقبلاً أفضل
* الخليج بحاجة مُلِحة لصناعات مناسبة تنتج سلعًا قابلة للتصدير بقيمة مضافة للاقتصاد
* من الضروري أن يكون المواطن عاملاً أساسيًّا في مشاريع التنمية الاقتصادية
* ضخامة الدخل البترولي والإسراف في استقدام العمالة.. أهم عوائق تنويع الدخل بالخليج
لا أتوقع أي تأثير على الاقتصاد الوطني بعد فرض الرسوم على الأراضي البيضاء
شؤون خليجية – هدى التوابتي
تأرجحت التقديرات خلال الفترة الماضية، بين تأكيدات الجهات الرسمية أن الاقتصاد السعودي قوي ويستطيع تخطي الأزمات الحالية المتعلقة بانخفاض أسعار النفط، والتقارير الدولية التي أشارت لوجود أزمة حقيقية بسبب اعتماد المملكة على النفط، والذي شهد خلال الفترة الماضية انخفاضًا كبيرًا في أسعاره. “شؤون خليجية”، حرص على محاورة الكاتب الاقتصادي، ونائب رئيس شركة أرامكو الأسبق المهندس عثمان الخويطر، حول وضع الاقتصاد السعودي، وهل هو في ورطة حقيقية، وإلى أين يتجه في ظل الظروف التي تحيط بالمملكة من حروب، وغيرها من أزمات؟
كما تحدث “الخويطر” عن الروافد التي ستساهم في دعم الاقتصاد السعودي، وهل السياحة من ضمنها، ولم يغفل الحديث عن دور الأراضي البيضاء.. وهل ستشكل حقًا إضافة؟
يعد الكاتب عثمان الخويطر اقتصاديًا بارعًا، وهو مهندس نفط تدرج في المناصب داخل شركة أرامكو حتى تولى منصب نائب رئيس الشركة لهندسة البترول وتطوير الحقول، وتقاعد عام 1996، ولديه مقال اقتصادي ثابت بشكل أسبوعي في صحيفة الاقتصادية.
إلى نص الحوار….
** بداية حدثنا عن نفسك وإسهاماتك ومشاركاتك في الشؤون الاقتصادية السعودية وتخصصكم العلمي؟
* أنهيت الدراسة العامة من ثانوية عنيزة، عام 1959، ابتُعِثت من قِبل وزارة المعارف إلى أمريكا لدراسة هندسة البترول في العام نفسه، والتحقت بجامعة تكساس في مدينة أوستن، الولايات المتحدة، تخرجت في الجامعة عام 1964 والتحقت بوزارة البترول. وبعد فترة عمل لم تتجاوز بضعة شهور، انتقلت إلى شركة أرامكو بصفة دائمة، حيث التحقت بإدارة هندسة البترول والحفر. ثم انتقلت إلى عمليات الإنتاج وتدرجت حتى تم تعييني مديرًا ثم مديرًا عامًا للإنتاج، ثم مديرًا عامًا لإدارة الحفر، وتم انتخابي من قبل مجلس ادارة الشركة لمركز نائب الرئيس للإنتاج، ثم نائب الرئيس لهندسة البترول وتطوير الحقول.
التحقت بعدة برامج تطويرية وفنية، من أبرزها البرامج المخصصة للإداريين التنفيذيين في جامعتي هارفارد وهيوستن، في عامي 1976 و1982 على التوالي.
تقاعدت في عام 1996، وعملت بعد التقاعد لبضع سنوات كعضو في مجلس إدارة شركة الحفر العربية. ألَّفت كتابًا عن سيرتي الذاتية ومراحل حياتي حتى التحاقي بشركة أرامكو، تحت عنوان “رسالة إلى أحفادي”، أكتب أسبوعيًّا في صحيفة الاقتصادية، في مواضيع تتعلق باقتصاديات مستقبل وما بعد النفط، وأنا عضو في مجلس إدارة هيئة تنظيم الكهرباء والإنتاج المزدوج.
** الاقتصاد السعودي يمر حاليًا في ظل المتغيرات والظروف المحيطة ببعض الصعوبات، في ظل انخفاض أسعار النفط، وتكلفة الحرب التي تخوضها المملكة في اليمن، والتي تلقي بظلالها على موازنة المملكة القادمة.. كيف ترى هذه الظروف وكيفية معالجتها؟
* لا شك أن الظروف التي تمر بها المملكة اليوم (الوضع اليمني والسوري وانخفاض أسعار البترول والالتزامات الأخرى)، كل ذلك يلقي بظلاله على الاقتصاد الوطني.
ومما يزيد من صعوبة الوضع الحالي، كون اقتصادنا بوجه عام يصنف كاقتصاد ريعي، يكاد يعتمد كليًّا على دخل البترول، ولعله من جوانب الصدف، أو ربما التخطيط المسبق، أن يكون لدينا فوائض مالية كبيرة نتيجة للإسراف في إنتاج البترول وارتفاع أسعاره خلال السنوات القليلة الماضية. هذه الفوائض سوف تخفف من عبء النزول الكبير للأسعار، الذي بلغ أكثر من 50 %، نسبة إلى أسعار البترول التي كانت سائدة حتى منتصف العام الماضي، ومن المؤكد حدوث عجز كبير في الميزانية الحالية نتيجة لذلك. ولدى الحكومة خيارات لسد العجز الحالي والمستقبلي، إما بالاقتراض من البنوك والمؤسسات المالية المحلية، أو السحب المباشر من فوائضنا المالية آنفة الذكر. وذلك حسب ما تمليه المصلحة العامة ورؤية المسؤولين في الشؤون المالية.
** صدرت عدة تقارير اقتصادية متخصصة تتحدث عن مخاطر متوقعه تواجه الاقتصاد السعودي خلال السنوات المقبلة، فيما خفضت وكالة ستاندرد آند بورذر التصنيف الائتماني للمملكة، فهل تتفق مع ما ذهبت إليه هذه التقارير؟
* التقارير الاقتصادية التي صدرت مؤخرًا من عدد من المؤسسات المالية الأجنبية، والتي تشير في الغالب إلى احتمال وجود أزمة مالية في المملكة نتيجة لعجز الميزانية المتوقع، لديها ما يبرر ذلك إذا كان المقصد مستقبل الاقتصاد بعد بضع سنوات من الآن، لو استمر الوضع على ما هو عليه اليوم.
أما فيما يتعلق بالوضع الحاضر، فالمملكة قادرة على إعادة الأسعار إلى سابق عهدها متى ما شاءت وأرادت ذلك، ومن هنا يعود مستوى الدخل كما كان عليه قبل النزول الكبير. وبصرف النظر عن مراتب التصنيف، فالأمر بالنسبة للمملكة ليس بتلك الحساسية التي يُخشى معها أن لا تجد من يقرضها المال، فإمكاناتها الاقتصادية وثروتها البترولية، كافية لأن تمكنها من الحصول على أي مبلغ تطلبه من أي مصدر خلال السنوات المقبلة.
وإذا كان هناك من خوف على اقتصاد السعودية فهو على المدى البعيد، عندما يبدأ إنتاج البترول مرحلة النزول القسري بسبب النضوب الطبيعي، ونحن لا نزال أمة غير منتِجة، وهو ما يجب أن نحسب له ألف حساب، فليس لدينا اختيارات بديلة لتنويع الدخل ما دمنا نملك الفوائض المالية، وكل ما نحتاجه هو تفعيل الإرادة وتجديد التخطيط، فقد فات علينا زمن طويل تعدى أربعين عامًا من المحاولات غير الجادة ولم ننجح في ذلك. والأسباب معروفة لمن يهمهم الأمر، او هكذا نظن. فنحن بحاجة إلى دراسة عميقة وحل للعقد وتقدير لمصير الأجيال الذين لن نخلف لهم إلا فتات البترول، إنتاج قليل وتكلفة عالية على أرض هذه الصحراء القاحلة.
** تعاني المملكة من أزمة بطالة كبيرة قدرتها وزارة العمل منتصف فبراير الماضي بـ11.7%، في حين حددتها وزارتا الخدمة المدنية والعمل بـ19.4 %، فهل ترى أن سياسات المملكة الاقتصادية الحالية قادرة على حل تلك الأزمة المتفاقمة، وهل خطوات السعودة التي تقوم بها المملكة منذ سنوات كافية لمواجهة تلك المشكلة، أم أن هناك إجراءات أخرى يجب القيام بها؟
* مما يثير العجب والاستغراب أن يكون لدينا بطالة كبيرة ومزمنة، في بلد يستقدم أكثر من 13 مليون وافد، نسبة كبيرة منهم يعملون لحسابهم الخاص ويعيشون عالة على اقتصادنا المحلي. بينما أبناء البلد لا يجدون من الأعمال إلا ما ترك السَّبُع.
نحن نفتقد إلى القوانين الملزمة التي تحفظ لكل مواطن حقه في التوظيف برواتب مجزئة تتناسب مع مستوى المعيشة، ولصاحب العمل ضمان المواظبة وعدم التنقل بين المؤسسات المختلفة، إلا بشروط مسبقة ومقبولة من الجميع. ومما يلفت النظر غياب المواطن عن مجالات العمل الحرفي والمهني والخدمي، وهي الركائز الأساسية للاقتصاد الوطني الناجح. ونعني بذلك أن معظم الأعمال التي يقوم بها المواطنون اليوم لا تضيف شيئًا إلى الاقتصاد المحلي، أو ما يسمى بالقيمة المضافة. وهذه من الأمور التي تحتاج إلى عناية خاصة. فلا بد من تسريح ملايين العمالة الوافدة وإحلال المواطن مكانها، إن أردنا مستقبلاً أفضل لأولادنا وأجيالنا.
** يرى بعض الاقتصاديين أن حل أزمة البطالة أيضًا يكمن بشكل كبير في القطاع الخاص السعودي ولا يقتصر على القطاع العام، ما رأيك بذلك؟
* لا بد أن يكون للقطاع الخاص دور فعال في حل أزمة البطالة، فلا يجوز أن ُيترك للمستثمرين حرية اختيار العمالة وأموالهم من خيرات هذا البلد. فالمواطن أحق بالعمل حتى ولو تطلب ذلك تدريب وتأهيل مكلف، فهي ضريبة جني المال من ثروات البلاد.
** تعتمد المملكة بشكل كبير على الاقتصاد النفطي، في حين يطالبها الكثيرون بالاعتماد على أنواع أخرى من الصناعات، فهل ترى أن هناك خطوات في هذا الاتجاه، وما نصائحك في شأن تجنب سقوط المملكة في أزمات اقتصادية بسبب انهيار أسعار النفط؟
* إن اعتماد المملكة شبه الكلي على دخل البترول الناضب موضوع خطير ولا بد من استدراك الأمر قبل فوات الأوان. فالشعب قد تأقلم مع الراحة والرفاه التي يمارسها بسبب وجود دخل كبير بدون تعب ولا نصب. فنحن بحاجة مُلِحة إلى الدخول في مجالات واسعة من الصناعات المناسبة، التي تنتج سلعًا قابلة للتصدير بقيمة مضافة.
ومن الضروري أن يكون المواطن عاملاً أساسيًّا في مشاريع التنمية، ويكون الهدف الرئيس من الخطط الاستراتيجية إحلال الدخل الذاتي محل دخل البترول، الذي سيتضاءل مع مرور الوقت. ولا بد من الحد من النمو السكاني المخيف حتى لا نجد أنفسنا عالة على دخل متواضع لا يفي بجميع متطلباتنا الحياتية، فالمسألة ليست فقط تحاشيًا للأزمات البترولية المتكررة، بل تفاديًا لمواجهة نقص حاد ومزمن في الدخل البترولي عند نهاية عمر البترول.
كما يجب أن نترك سياسة الإصرار على رفع الإنتاج استجابة للطلب العالمي، فوضعنا ومستقبلنا أكثر أهمية من تلبية الطلب العالمي على حساب عمر بترولنا القصير، بصرف النظر عن ما يُشاع من ضخامة حجم الاحتياطي البترولي.
** أعلنت المملكة عن اللجوء إلى اقتصاديات بديلة كروافد للاقتصاد، فلماذا لم يكن لها دور ملموس؟
* لعل أهم عوائق تنويع الدخل في دول الخليج، تعود إلى عاملين رئيسيين، الأول: ضخامة الدخل البترولي المؤقت، والذي يفيض عن جميع متطلبات الشعوب الخليجية، فلم يترك لهم مجالًا للبحث عن مصدر آخر يتطلب مجهودًا وتضحية بالرفاه التي يمارسونها في حياتهم.
والثاني: الإسراف في استقدام ملايين العمالة الوافدة لتقوم بمعظم الأعمال الحرفية والمهنية، ومن ثم ترحيل مكتسباتهم إلى بلدانهم الأصلية.
** تحاول المملكة استخدام رافد السياحة في الدخل القومي، ولكنه لا يزال يواجه الكثير من الصعوبات رغم النفقات الهائلة عليه، فهل تعتقد أنه يمكن أن يمثل بابًا اقتصاديًا واسعًا، وبديلًا للاعتماد على النفط.. وما رؤيتك لمستقبل هذا الرافد؟
* أنا لست متفائلًا بمستقبل صناعة السياحة في بلد فيه الكثير من الدعم الحكومي اللامحدود في مجالات الوقود والكهرباء والماء، وبعض المواد الغذائية، إلى جانب غياب المواطن عن ممارسة الأعمال الخدمية والإرشاد السياحي، فلا بد من تعديل طرق الدعم وإيجاد نوع من الضرائب تأخذ في الحسبان ما هو مقرر للمواطن، وما هو مطلوب من السائح.
** أعلنت المملكة مؤخرًا عن فرض رسوم على الأراضي البيضاء، وقيل إن السبب في فرضها هو المساهمة في حل مشكلة الإسكان، فما تعليقك على تلك الرسوم، وما تأثيرها على الاقتصاد السعودي بشكل عام؟
* موضوع فرض الرسوم على الأراضي البيضاء قديم جديد، وقد تأخر حسمه كثيرًا لأسباب كثيرة، منها الرؤى الدينية المختلفة، ومنها معارضة كبار الملاك، واليوم حُسِم بقرار من ولاة الأمر. ولعل أبرز العوامل التي لعبت دورًا أساسيًّا في ضرورة فرض الضريبة على الأراضي، الارتفاع الكبير الذي طرأ على أسعارها خلال السنوات القليلة الماضية.
وقد تحدد مستوى الضريبة السنوية بـ 2.5 % من قيمة الأرض، وهي قيمة الزكاة الشرعية نفسها، ولا نتوقع أن يكون لذلك تأثير يُذكر على الاقتصاد الوطني. فجباية الضريبة سوف تذهب إلى مشاريع الإسكان وليس إلى خزينة الدولة، حسبما يظهر لنا، وهناك احتمال وارد، وهو أن هذه الضريبة لن تخفض الأسعار بنسب كبيرة، وقد لا تحد من استمرار صعود أسعارها بوجه عام.
تم النشر بموقع شؤون خليجية
26-11-2015بتاريخ