تخطى إلى المحتوى

4c1846e7ca977a3be540ac2585062048_XL

كتبت_هدى التوابتى

يعد الصراع على مصادر الطاقة من أبرز مسببات الحروب في القرون الأخيرة، فبعد الصراع على النفط والسيطرة على مصادره، والذي أدى لحرب العراق في القرن الماضي، بدأت معركة جديدة بين القوتين العظمتين روسيا وأمريكا مسرحها العالم العربي أيضًا، على الغاز الذي يعد مصدر الطاقة الرئيسي في القرن الحالي، وظهرت ملامحها واضحة في سوريا خلال الأعوام الخمسة الماضية.

ففي الوقت الذي تسعى فيها روسيا للحفاظ على كونها المصدر الأكبر للغاز في العالم، وتواصل احتكارها تصدير الغاز لأوروبا.

في المقابل تسعى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي للبحث عن مصدر طاقة بديل للغاز الروسي، وهو ما جعل الغاز في حوض المتوسط وخاصة سوريا، فرصة كبيرة لهم لتحقيق هدفهم بالتخلص من الاحتكار الروسي للغاز.

وعلى الرغم من كون الصراع بين أمريكا وروسيا وتدخلاتهم بالمنطقة، هو سبب الأزمات الرئيسية في سوريا، وفقًا لمراقبين، إلا أن بعض المراقبين يشير لإمكانية تحول تلك الصراعات لتفاهمات ترتبط بالسيطرة المشتركة، أو تفاهمات نوعية جيوسياسية تتخطى الصراع بينهم.

36 تريليون قدم من الغاز الطبيعي في حوض المتوسط

ويبرز الصراع في الشرق الأوسط وتحديدًا منطقة حوض المتوسط، بسبب تركز النسبة الأكبر من احتياطيات العالم من الغاز فيه، حيث كشفت المسوح الجيولوجية أن المنطقة الشرقية للبحر المتوسط تضم احتياطي غاز يقدر بأكثر من 36 تريليون قدم مكعب، فيما تقدر هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية النفط في المنطقة ذاتها بثلاثين مليار برميل، أي ما يعادل واحد ونصف تريليون دولار تحت سطح البحر ينتظر من سيكشف عنه ويأخذه.

ويمس الصراع على الغاز والنفط في تلك المنطقة تسعة لاعبين مباشرين هم (مصر، إسرائيل، فلسطين، قبرص، تركيا، إنجلترا، اليونان، سوريا، لبنان)، ويرى المراقبون أن الصراع حول تلك المناطق ينخرط فيه سبعة لاعبين بشكل مباشر تقف ورائهم مصالح عالمية، تتمثل في لاعبين غير مباشرين هم الأثقل في الصراع على الغاز، وهم (روسيا، الاتحاد الأوروبي، الولايات المتحدة)، وبدرجة أقل الصين الشعبية.

الصراع (الروسي – الأمريكي) على الغاز

وسبق أن شرح الجيوسياسي، رئيس مركز المعطيات والدراسات الاستراتيجية بدمشق الدكتور عماد فوزي شعيبي، خريطة الصراع الأمريكي – الروسي على الغاز في العالم، وموقع سوريا من هذا الصراع، مشيرًا لكونه يرتبط بمشروعين أساسيين، هما مشروع “غازبروم” الروسي، ومشروع نابوكو الأمريكي.

ولفت شعيبي في ورقة بحثية له نشرتها شبكة فولتير عام 2012، بعنوان “حرب الغاز.. الصراع على الشرق الأوسط.. الغاز أولاً”، أن سوريا دخلت الصراع على الغاز والنفط عام 2009، مع بداية استخراج الكيان الصهيوني للغاز، والذي أدى لدخول حوض المتوسط بشكل فعلي في اللعبة، مضيفًا أن المعلومات تشير لكون هذا الحوض هو الأثري في العالم بالغاز، وفقًا لما ذكره معهد واشنطن.

وأضاف أن “معرفة السر الكامن في الغاز السوري سيفهم الجميع حجم اللعبة على الغاز، لأن من يملك سوريا يملك الشرق الأوسط وبوابة آسيا ومفتاح بيت روسيا (حسب كاترين الثانية)، وأول طريق الحرير (حسب الصين)، والأهم من يملك الدخول عبرها إلى الغاز يملك العالم، خصوصاً أن القرن المقبل هو قرن الغاز”.

وأشار إلى أن المشروع الروسي للسيطرة على الغاز في العالم ككل بدأ منذ عام 1995، من خلال المشروع الروسي “غازبروم”، والذي ظهر معه بالتوازي وفي إطار الصراع المشروع الأمريكي (نابوكو).

ملابسات الحرب العالمية الأولى تتكرر

في السياق ذاته، قارن أستاذ التاريخ الأوروبى فى جامعة كامبريدج جون كيجر، بين ملابسات الحرب العالمية الأولى، والصراع الحالي بين القوى العالمية، مؤكدًا وجود تشابه كبير يتمثل في تصاعد قوة روسيا الحالية، وتحولها لتصبح ضمن أقوى عشرة جيوش في العالم، وفقًا لما نشره موقع جلوبال فاير باور.

ولفت إلى أن اكتشاف الغاز الطبيعي في مياه البحر المتوسط، التي تقع فيها المياه الإقليمية السورية، آثار حفيظة الدول الأوروبية والولايات المتحدة، واتجه تفكيرهم نحو استبدال الغاز الروسي الذي تعرقل تصديره مع أزمة جزيرة القرم بالغاز السوري، بالإضافة إلى أن قرب سوريا من تركيا، وبالتالي قربها من أوروبا سيعمل على تقصير المسافة والتكلفة المستحقة على تصدير الغاز السوري إلى أوروبا والولايات المتحدة.

واعتبر تقرير نشرته جريدة الوفد المصرية أكتوبر 2015، أن تدخل القوات الأمريكية وحلفائهم في سوريا لضرب تنظيم داعش، ليس إلا محاولة لدخول الأراضي السورية للاستيلاء على الغاز السوري، في تصرف مشابه لما جرى بالعراق 2003.

وأضاف التقرير أن خطة الولايات المتحدة استوعبتها روسيا، مما دفعها لشن ضربات عسكرية داخل العمق السوري بنفس الحجة.

واستدل تقرير الوفد ببحث استراتيجي أعده وزير الدفاع الأمريكي الأسبق ديك تشيني، حول مصادر الطاقة في العالم وتوزيعها في الدول.

وتضمن البحث خطة تمهيد الأرض للعمليات العسكرية من سنة 2000 حتى 2008، بما فى ذلك إعادة توزيع وتوازن القوى الاستراتيجية بين الولايات المتحدة ومثيلاتها الروسية، المصحوبة بالقوى الاقتصادية والعسكرية الصينية بشكل مباشر.

وأكد بحث تشيني الاستراتيجي أن هناك “سلمًا عالميًا جديدًا”، على حد تعبيره، تسعى القوى العالمية للحصول على مكان وترتيب داخله.

هل الغاز وراء التفاهم (الأمريكي – الروسي)؟

اتفق الباحث والمفكر العربي حسين شعبان، مع الآراء التي تؤكد أن الصراع في المنطقة العربية جزء منه يعود إلى مصادر الطاقة، ومن يستطيع التحكم بها ووضع اليد عليها وخاصة المستقبلية.

وأضاف في مقال له نشر بداية نوفمبر الماضي، بعنوان “هل الغاز وراء التفاهم الروسي – الأمريكي؟”، أنه “إذا كان الشرق الأوسط سبباً من أسباب الصراع (الروسي – الأمريكي)، الذي اعتقد البعض أنه حرب باردة جديدة، ولا سيّما في الفترة الأخيرة، بسبب الأزمة السورية بشكل خاص، فإنه في الوقت نفسه قد يكون سبباً في إيجاد تفاهمات جديدة سيكون الغاز أحد محركاتها الأساسية”.

ولفت شعبان في مقالة للتوترات المستمرة بين روسيا والولايات المتحدة، منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وحتى الأزمة السورية والتدخل العسكري الروسي فيها، مؤكدًا أن المغامرة الروسية بالتدخل لم تتم إلا لوجود ما يستحق ذلك، مشيرًا للغاز الذي تسيطر عليه سوريا، مضيفًا أن استحقاقًا مثل الغاز قد يكون الثمن المناسب الذي يحتاج إلى تفاهمات استراتيجية، وليست عابرة”.

وشدد على أنه ورغم أهمية الغاز للولايات المتحدة، إلا أنها ترددت في توجيه ضربة عسكرية لسوريا أو في استبعاد المشاركة بقوات برّية، بسبب خسائرها السابقة في العراق، وفي المقابل روسيا كانت تريد ضمان مصالحها عبر منع مرور أنابيب النفط والغاز إلى سوريا من قطر، وصولاً إلى تركيا، ومنها إلى أوروبا.

وقال: إن “التردد الأمريكي وضمان المصالح الروسية، هو الذي سيسهم في تحقيق الصفقة التاريخية في العلاقات الروسية – الأمريكية، وهذا ما يفسّر المواقف الروسية والأمريكية معاً إزاء سوريا”.

وأضاف شعبان أن “موازين القوى الأمريكية – الروسية تتجه اليوم، وبسبب الغاز، إلى تفاهمات نوعية وعلاقات جيوسياسية استراتيجية، متخطّية مرحلة الحرب الباردة والصراع الأيديولوجي السابق”.

تم النشر بموقع شؤون خليجية

بتاريخ17-3-2016