تخطى إلى المحتوى

تقرير – هدى التوابتي

نقل الدكتور “جلال سلمي” – المحلل السياسي وأستاذ العلاقات الدولية بجامعة “سكاريا” – سيناريوهات التحرك التركي في ليبيا، معتبرًا إياه الطريق لفهم المعادلة الليبية، كما نقل دوافع تركيا من توقيع مذكرات التفاهم بالإضافة لنتائج التحرك التركي على عدد من الدول من بينها مصر، والعوائق التي تواجهها.
جاء ذلك خلال مشاركته في “صالون الحوار والفكر” التابع للمكتب العام لجماعة “الإخوان المسلمين” بـ “إسطنبول”، أول أمس الإثنين، والذي حمل عنوان: “سيناريوهات الوضع السياسي في ليبيا وشرق المتوسط”.
كما نقل “رضا فهمي” – الرئيس السابق للجنة الأمن القومي بمجلس الشورى المصري – خلال مشاركته في الصالون رؤيته لتفاعل نظام قائد الانقلاب “عبد الفتاح السيسي” مع مصلحة مصر، معتبرًا النظام الحالي يسعى للرّضا “الإسرائيلي” على حساب مصر والمصريين.

الوجود التركي في المتوسط

ونقل “سلمي” وضع التواجد التركي في المتوسط، مشيرًا لكونه تاريخيًا بدأ منذ توقيع اتفاقية “لوزان”عام ١٩٢٣، والذي خسرت على إثره عدداً من جزرها الهامة، وصولًا لاتفاقية ضمان السلام عام ١٩٥٩، وأخيرًا السيطرة على نصف جزيرة قبرص عام ١٩٧٤.
وأشار إلى أن التواجد التركي في المتوسط بدأ بتدخلها في قبرص، مشيرًا إلى أن التدخل الحالي بدأ عقب مؤتمر “الأستانة” الذي أنهى الأزمة السورية في ٢٠١٧، حيث تم افتتاح السفارة التركية بليبيا عام ٢٠١٧، وزار “فايز السراج” “أنقرة” بعد الافتتاح بشهر.
وربط “سلمي” بين زيارة رئيسة الوزراء البريطانية السابقة “تريزا ماي” لتركيا وافتتاح السفارة بليبيا والذي جرى بعد أيام قليلة من الزيارة، معتبرًا أن ذلك من أدلة وجود تنسيق تركي بريطاني حول ليبيا.

دوافع تركيا

وحدَّد “سلمي” عدداً من الدوافع التركية أدّت لتوقيع مذكرتي التفاهم الأخيرتين، معتبرًا أنهما تشيران لنوع من التحدّي.
وقال: إن الدافع الأول هو ثروات المتوسط، مشيرًا إلى أن هيئة المسح الجيولوجية الأمريكية كشفت احتواء المتوسط على 122 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، و1.7 مليار برميل احتياطي من النفط.
وأرجع حرمان تركيا من ثروات المتوسط نتيجة سعي مصر منذ ٢٠٠٣ وحتى الآن بتوقيع اتفاقيات مع قبرص واليونان وأبرزها منتدى غاز المتوسط، والذي استبعد تركيا من دول المتوسط.
وأشار “سلمي” إلى أن تركيا في الأزمة الحالية نسّقت مع واشنطن وصولًا للتوقيع في ليبيا، وذلك لهدفين هم:
– إيقاف عملية العزل لتركيا التي تتم حاليًا.
– عدم منح أي دولة في المتوسط قدرة توزيع الطاقة.
وأضاف أن من الدوافع ايضًا للتحرك هو الانتهاء من أزمة سوريا، والسعي لتشكيل توازن قوى أمام المحور الإقليمي المعادي لتركيا، بالإضافة لكون مذكرات التفاهم تسعى لتأسيس تأطير شرعي لتحصين تركيا ضد العقوبات بسبب التدخل في ليبيا، وأخيرًا تحرك استباقي لإيجاد مكان على طاولة الحل النهائي في مؤتمر “برلين”.

نتائج التحرك التركي

ويرى “سلمي” أن تحرك تركيا أثَّر على عدد من الدول المحيطة أبرزها مصر، التي خسرت نفوذاً كبيراً في ليبيا، واضطرت للاعتراف بحكومة “السراج” واتفاقية “الصخيرات”، بالإضافة لتأثر اتفاقيتها مع اليونان وقبرص، وفشلها حال نجحت تركيا من فرض دورها، بالإضافة للخوف من توسع سيطرة مليشيات حكومة “طرابلس”، والذي يراها محقة فيه.
يضاف لخسائر مصر خسائر اليونان التي يرى أن مذكرات التفاهم أفشلت اتفاقياتها البحرية، وكذلك أثّرت على النفوذ الفرنسي وعطّلت مساعيه للحصول على نفط حوض “نالوت”، فيما جاء الدور الروسي محايدًا إلا أنه كسب نفوذاً بتحوله مرجعاً للأزمة بدلًا من فرنسا.
أما الموقف السعودي والإماراتي فهو موقف محوري ضد تركيا، ما يعني خسارتهم نفوذاً في ليبيا، بينما يكتنف الموقف الأمريكي الغموض مع وجود مؤشرات للتنسيق مع تركيا، ويرى أن الموقف الإيطالي والبريطاني رغم عدم وضوحهما إلا أن المؤشرات في التنسيق مع تركيا واضحة.

سيناريوهات الحل

ويرى أستاذ العلاقات الدولية أن سيناريوهات الحل في ليبيا تنحصر في أمرين:
الأول: تحوُّل مذكرات التفاهم لاتفاقيات نهائية.
الثاني: تبقى الأزمة كما هي وتحاول تركيا الاستفادة من الاتفاقية.
وقال “سلمي”: إن المشهد به مبالغة إعلامية كبيرة، مشيرًا إلى أن السيناريو الثاني هو الأرجح، وتستفيد منه تركيا بوجود قوات عسكرية في ليبيا، مضيفًا أن هذا ما يحدث بالفعل بوجود قوات مخابراتية.

عوائق التحرك التركي

وكشف “سلمي” عن أبرز العوائق التي تواجه التحرك التركي، ومنها عدم وجود شريك، فاتفاق “الصخيرات” يمنع إتمام اتفاقيات دون موافقة البرلمان، بالإضافة لكون اتفاق ١٩٧٩ السابق يمنع تزويد ليبيا بالأسلحة بشكل رسمي.
وأكد أن دخول تركيا عسكرياً لليبيا حتى الآن غير منطقي، حيث يُضاف لما سبق الدعم المحوري لمعسكر “حفتر”، وكذلك البُعد الجغرافي عن ليبيا.
أما العائق الأهم في رأي “سلمي” فهو غموض الموقف الأمريكي، مضيفًا أنه يمنع تحويل المذكرات لاتفاقية نهائية؛ لتجنُّب الغضب الأمريكي.


رضا “إسرائيل” هدف مصري

أما “رضا فهمي” – الرئيس السابق للجنة الأمن القومي في مجلس الشورى – فأشار إلى أنه رغم أن التحركات التركية تصُبّ في مصلحة مصر إلا أن النظام المصري الحالي لا يرتبط بمصالح مصر بقدر ارتباطه بمصلحته.
ولفت “فهمي” إلى موقف المجلس العسكري ونظام “السيسي” في عهد الرئيس الراحل “محمد مرسي”في عدد من القضايا الهامة لأمن مصر القومي، معتبرًا إياها دليل لعدم عمل النظام لصالح مصر.
وقال “فهمي”: إن الإله الخاص بالدول هو المجال الحيوي للدولة، فالدولة تُحدّد عدوها من خلال مصالحها ومجالها الحيوي، مؤكدًا أنه في العلاقات الدولية تبرز القوى كالعامل الأساسي في الأحداث، مشيرًا للحرب التي قامت بين بريطانيا والأرجنتين حول مجموعة جزر تابعة للأرجنتين ولكن قامت بريطانيا بالسيطرة عليها وحتى تغيير اسمها لجزر “فوكلاند”.
ورفض “فهمي” القول بوجود مكاسب للمصريين في اتفاقية مصر وقبرص عام ٢٠٠٣، متسائلًا عن سبب عقد تلك الاتفاقية من الأساس رغم رفض مصر ترسيم حدودها مع باقي الدول المحيطة.
ولفت “فهمي” إلى أن تخاذل النظام أمام مصالح المصريين تعدَّد في أكثر من قضية مثل قضية “سد النهضة”، مشيرًا إلى أن دور نظام “مبارك” وتبعه نظام “السيسي” واللذين توافقا ويمثلان امتداداً لبعضهما البعض أدَّيا لتلك النتيجة الحالية، ووَقفَا أمام أي حل يمكن أن يردع إثيوبيا عن بناء السد.
ولفت لتخاذل دور المؤسسة العسكرية خلال عهد “مرسي” عن المشاركة في حل للأزمة، وتعطيلها لكل محاولات الخروج من الأزمة، مشيرًا إلى أن هذا سلوك المؤسسة العسكرية منذ عهد “ناصر” وحتى “السيسي”.
وحول غاز المتوسط والذي يُعدّ محل النزاع الحالي، أشار “فهمي” إلى أن شركة “شل” الأمريكية عقدت مؤتمراً صحفياً منذ عام ٢٠٠٤ قالت فيه: إن مصر ستكون دولة مؤثرة ومصدرة للغاز في المتوسط، وذكرت أن قيمة الغاز ٢٠٠ لـ ٣٠٠ مليار دولار، وكشفوا عن حقل ثالث بعدها، مضيفًا “أنه تم إغلاق الأمر منذ ٢٠٠٣ لـ ٢٠١٣”.
وتابع أنه عند مناقشة الأمر في عهد “مرسي” كانت المؤسسة العسكرية تقطع أن الحقوق ملكية خالصة لـ “إسرائيل”، اعتمادًا على خرائط “إسرائيلية”، متسائلًا: “هل المنطق أن المؤسسة العسكرية التابعة لبلد ما تُصرّ على أن حقول الغاز التابعة لها تابعة لدولة أخرى وتحديدًا إسرائيل”؟.
واتهم “فهمي” حرس الحدود بالتواطؤ مع عملية تسريب السلاح من ليبيا، مشيرًا لمناقشة الأمر في مجلس الأمن القومي، وهو ما واجهه “السيسي” حينها بطلب عدم الدخول في تلك المساحة، رافضًا توضيح السبب.
واعتبر “فهمي” أن السؤال الجوهري في الأزمة الحالية عن مصلحة “السيسي” من دعم “حفتر” بهذا الشكل، مضيفًا أن القاسم المشترك في تلك الملفات هو مدى الرضا والقبول “الإسرائيلي” والأمريكي في هذا الملف أو ذاك.
وأشار “فهمي” إلى تعاظم النفوذ المصري في ليبيا، مشيرًا لكون جهاز المخابرات الليبي تدرّب على أيدي المخابرات المصرية، ويرى – خلافًا لرأي “سلمي” – أن اتفاق وقف إطلاق النار الذي يتم التفاهم حوله يضم دوراً مصرياً لا شك، وحتى ولو لم يتم إبرازه، مضيفًا “مصر لم تعد في المشهد وإلا كان من الطبيعي أن تبرز، ولكن يتم إرضاؤها”.