تخطى إلى المحتوى

كتبت – هدى التوابتي

منذ عشرة أيام تقريبا وقع انقلاب عسكري في النيجر، معظمنا سمع كلام بسيط عنه لكنه غالباً خارج دائرة اهتماماتنا المباشرة بل معظمنا فعلياً ليس لديه حتى معلومة عن اسم الرئيس النيجيري المخلوع لكن اعتقد من المهم إدراك أهمية انقلاب النيجر خاصة إنه جزء من الصراع العالمي الدائر الآن في مناطق مختلفة أبرزها أوكرانيا وطبعاً سوريا وليبيا  والعالم العربي جزء منه، وهو الصراع الروسي الغربي

ماذا حدث في النيجر؟

الحرس الرئاسي النيجيري يعلن الانقلاب على الرئيس محمد بازوم

الجمعة 25 يوليو استيقظ العالم على أنباء احتجاز الحرس الرئاسي في النيجر الرئيس المنتخب محمد بازوم، وإعلان قائد الحرس الرئاسي الجنرال عبد الرحمن تشياني نفسه قائد للمجلس العسكري الجديد ، ورئيس لحكومة انتقالية أطلق عليها اسم “المجلس الوطني لحماية الوطن” أما السبب المعلن لانقلاب النيجر هو اتهام تشياني لحكومة بازوم بالفشل في التعامل مع “التطرف الإسلامي” في المنطقة، وهو نفس السبب الذي يقف وراء انقلابات كثيرة في دول مجاورة للنيجر نفسها أبرزها انقلاب مالي بغض النظر عن دقة هذه الاتهامات فللقصة زوايا أخرى  ولفهمها علينا النظر في الانقلابات المحيطة بالنيجر خلال السنوات القليلة الماضية.

انقلاب مالي 2021

في 24 مايو 2021 شهدت مالي انقلاب قادة موالين لآسمي غويتا، زعيم انقلاب أغسطس 2020 في مالي أيضاً و احتجزوا رئيس الحكومة الانتقالية وبغض النظر عن أسباب الانقلاب إلا أن خبراء مختصين بأمن الساحل الإفريقي قالوا إن حقيقته  صراع نفوذ بين روسيا وفرنسا مع عودة الروس بقوة لإفريقيا خاصة أن قادة الانقلاب تلقوا تدريبات في روسيا عام 2019، وبالطبع تطورت العلاقات بين روسيا ومالي  كثيراً بعد الانقلاب، وظهرت للعلن أكثر من ذلك ما يدل على الأيادي الروسية الواضحة ، ومن ذلك على سبيل المثال عام 2022 تسلم المجموعة الحاكمة في مالي أسلحة ومعدات عسكرية من حليفتها موسكو ووزير الدفاع المالي ساديو كامارا وصف العلاقة بين البلدين  بأنها “الشراكة التي تعود بالنفع على الجانبين مع روسيا الاتحادية” وبالطبع يوجد اتهامات أوروبية واضحة واعتراف روسي بوجود دور لمجموعة فاغنر التابعة للجيش الروسي في هذا الانقلاب

انقلاب بوركينا فاسو 2022

بوركينا فاسو أيضاً أحد أقرب الجيران للنيجر شهدت انقلاب عام 2022 تنحى على أثره القائد العسكري للبلاد آنذاك المقدم بول هنري داميبا، وحل محله النقيب إبراهيم تراوري، ولا نحتاج القول أن ما حدث في مالي تكرر في بوركينا، أعلام روسيا رُفعت وبالطبع ردد الموالون للانقلاب شعارات ضد فرنسا ورئيس الانقلاب آنذاك أعلن استعداده للعمل مع شركاء جدد بنفس حجة الانقلاب في مالي وفي انقلاب النيجر، وهو محاربة متشددين إسلاميين وطبعاً حصل تطور في علاقات بوركينا فاسو مع روسيا لكن آخر دلائل هذا التطور إعلان موسكو منذ أيام إنها ستفتح سفارتها في بوركينا فاسو بعد 31 عام من إغلاقها.

موالون لانقلاب النيجر يرفعون العلم الروسي

هل لروسيا دور في النيجر؟

حتى الآن لا يوجد أي دليل على دور روسي في انقلاب النيجر، ولكن التقارب الجغرافي والصراع المشتعل بين روسيا والغرب في العالم كله وطبعاً في أفريقيا بشكل خاص يجعل الأمر ممكناً، والأهم إنه حتى لو أن الدور الروسي غير موجود الآن، فبلا شك ستجد روسيا لنفسها دور في المستقبل القريب، ومساحة كبيرة ربما توازي المساحة الفرنسية التي تتراجع بشدة، وهذا كان واضح من رفع الموالين لانقلاب النيجر أعلام روسيا وتصريحات قائد مجموعة فاغنر عن الانقلاب واعتباره إنه “مشاعر مناهضة للاستعمار وكفاح الشعب النيجيري ضد مستعمريه”

تحركات أوروبا والغرب

أوروبا طبعاً وخاصة فرنسا اشتعلت بعد انقلاب النيجر، وأطلقوا تقريباً كافة أنواع التهديدات، وفرضت  عقوبات اقتصادية ضخمة خلال أيام من الانقلاب بل ساعات، من تجميد مساعدات وحسابات وشركات بمليارات الدولارات ، ومن ضمن التهديدات التي خرجت كان تهديد منظمة اقتصادية إفريقية  ضخمة اسمها إيكواس بأنها ستتخذ خطوات عاجلة وستتبع كل الوسائل لاستعادة النظام الدستوري في النيجر، طبعا إيكواس لديها سمعة بوجود تأثير أجنبي “غربي” على قرارها السياسي-  “يوجد دراسة في التعليقات تتكلم عن هذا الموضوع  بالتفصيل لو حد مهتم” .

 التهديدات العسكرية  التي أصدرتها إيكواس غالباً صدى وصوت أجوف،  وهذا كان واضحاً في كلام عبد الفتو موسى، مفوض الشؤون السياسية والسلام والأمن في إيكواس بعد ساعات من التهديدات وقبل اجتماع المنظمة الطارئ بإنه لا يوجد أي شيء مطروح  على الطاولة لمواجهة انقلاب النيجر، ولحق ذلك رفض تام لأي تدخل عسكري في النيجر أعلنته دول أعضاء في المنظمة أبرزها بالتأكيد مالي وبوركينا فاسو والجزائر ، ووصلت لدرجة إصدار مالي وبوركينا فاسو وغينيا بيان مشترك اعتبروا فيه أي “تدخل عسكري في النيجر سيكون بمثابة إعلان حرب عليهم، وما تبع ذلك من تراجع أوروبي في نبرة التهديدات و تأكيدهم أنهم لا ينوون التدخل عسكرياً    

متظاهرون موالون لانقلاب النيجر يحملون لافتات كُتب عليها “وداعاً فرنسا”

النيجر وبوركينا فاسو ومالي.. ماذا خسرت فرنسا والغرب؟

دول منطقة الساحل وغرب إفريقيا بشكل خاص مهمة جداً لأوروبا لأسباب كثيرة أولها أنها الحدود الجيوسياسية الجنوبية لأوروبا وهي جزء من 9 دول تعتبر مستعمرات سابقة لفرنسا وهم   “ساحل العاج و بنين و غينيا كوناكرى و بوركينا فاسو و مالى وموريتانياو النيجر والسنغال و توجو” والدور العسكري الفرنسي هناك واضح تحت عنوان “محاربة الإسلام السياسي”، وتعد النيجر قبل الانقلاب الحالي واحدة من أهم وآخر معاقل النفوذ الفرنسي في أفريقيا  

الأمر يفوق الحدود الجيوسياسية فالمنطقة أيضاً مخزن ثروات بالنسبة لأوروبا ولها فيها مصالح اقتصادية لا تعد فأوروبا تستورد 23.4 % معادن استراتيجية من موريتانيا وتنقل الغاز النيجيري من خلال خط أنابيب عابر للصحراء في مشروع مشترك مع المغرب و40% من يورانيوم النيجر بيتم استخدامه  لتغطيى 70%  من احتياجات فرنسا من الطاقة الكهربائية،، وتخيل الآن وضع فرنسا مع أزمتها مع روسيا واحتمالية انقطاع اليورانيوم عنها بسبب انقلاب النيجر، ما يعني ضربة موجعة لها جداً.

ناهيك طبعاً عن قضايا الهجرة وقضايا محاربة التطرف والتي كان لأفريقيا دور كبير فيها كمنصة معلومات مع البعثات الأمنية للاتحاد الأوروبي وخاصة موريتانيا وغانا ومالي والنيجر.

أمريكا ليست ببعيدة عن المشهد والصراع بل لها دور واسع في أفريقيا وأبرز مثال لهذا الدور كان النيجر نفسها ويكفي للدلالة على العلاقة بين البلدين إن وزير الخارجية الأمريكي شدد بعد انقلاب النيجر بأيام قليلة على دعم الولايات المتحدة “الثابت” للرئيس المخلوع بازوم”، طبعاً بلينكن أعلن وقف الشراكة الأمنية والاقتصادية المقدرة بمئات الملايين من الدولارات بين بلاده والنيجر بعد الانقلاب، بل إن بعض وسائل الأنباء في البداية  كانت تشير لاحتمالية وقوف أمريكا وراء الانقلاب لأن ضباط بالحرس الرئاسي النيجيري تلقوا تدريبهم في الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا الأمر وثقته وثائق تابعة للبنتاغون، بالإضافة لتواجد قوات أمريكية حتى الآن في النيجر.

الصراع إلى أين؟

حتى الآن الصورة ضبابية لا أحد يعلم إلى أين يتجه الصراع ولكنه أكيد يكشف توسع كبير في رقعة حرب روسيا “الباردة” مع – إن جاز لنا وصفها بذلك – الغرب  وازدياد النفوذ الصيني الروسي في مواجهة النفوذ الغربي في إفريقيا، ورغم التراجع الأوروبي عن التهديدات بتدخل عسكري لإخماد انقلاب النيجر، إلا أن الاعتقاد بتنازل أوروبا وأمريكا عن نفوذها في النيجر بسهولة أمر صعب بل يكاد يكون مستحيل، وهذا ما أشار إليه محلل الشؤون الدولية سيرغي بيرسانوف في تصريح للجزيرة وقال إن ”  الصراع على النيجر -حتى مع تأكيدات الإليزيه عدم وجود نية للتدخل العسكري- سيكون مختلفا وأكثر عنفا مما كان مع البلدان الأفريقية الأخرى التي أفلتت من السيطرة الفرنسية.”

ويبقى السؤال  

عقب انقلابات مالي والنيجر وبوركينا فاسو… هل بدأت الحرب العالمية الثالثة بين روسيا والغرب في أفريقيا؟

المصادر: